الحكومةُ الخائفةُ من ظلِّها… وحدها تُلام

0 189

حين يقرأ المواطنُ المادة 50 من الدستور، وينظر إلى واقع الحال يرى بَوْنَاً شاسعاً بين نصها وممارسة السلطات، وبخاصة التشريعية والتنفيذية، إذ إن نظام الحكم يقوم “على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقاً لأحكام الدستور ولا يجوز لأي سلطة منها النُّزول عن كلِّ أو بعض اختصاصها”، غير أن في العقود الثلاثة الماضية قوَّضت الممارسة النيابية هذه المادة، بعدما هيمن المجلس على الحكومة المنوطة بها السلطة التنفيذية، ما أدى إلى شلِّ البلاد.
المفترض أن كلَّ سلطة تمارس صلاحياتها على أكمل وجه، من دون أي تضارب، فالمجلس يراقب ويشرع بما يتناسب مع روح الدستور، وليس نزولاً على رغبات نوابه وتيارات سياسية وطائفية وقبلية، بل يطور الدولة والمجتمع، لكنه للأسف سعى إلى الحكم يفرض ما يريد على مجلس الوزراء، وعند أقرب فرصة يتنصل من قوانين أقرها، ويُحمِّل المسؤولية للحكومة، والناس تتقبل انتقادها، فيما الأخيرة، لا تُتقن فنَّ إدارة إعلامها، ولا تسويق قراراتها، لذا في الظاهر الحكومات المتعاقبة مخطئة دائماً، وفي الجوهر هي تدفع ضريبة خضوعها للنواب.
منذ أواخر ستينات القرن الماضي، قبلت السلطة التنفيذية التخلي عن دورها الأساسي في حماية المجتمع من أي تغوُّل لتيار سياسي أو طائفي وقبلي، حين رضخت لمنطق المنع والحظر، وكأن الرعيل الذي وضع القوانين لم يكن مؤمناً موحداً، ومن أتوا في غفلة من الزمن يمتلكون الحقيقة المطلقة، لذلك رأينا تشريعات لا تتفق بالمطلق مع الدستور، ولا حركة التقدم في العالم.
وصلت الحال بهؤلاء المتخلفين إلى التدخل في حياة الناس، فمنعوا الفرح، والغناء والفنون، وطوَّقوا الثقافة بأسوار الشك والتخوين، إلى درجة باتت الكويت أقرب إلى مفهوم دولة “طالبان” أكثر من تعبيرها عن تقاليدها وعاداتها، وهو ما أدى في العقدين الماضيين إلى شبه هجرة جماعية للكويتيين في المواسم كي يتنفسوا بعدما أغلقت عليهم منافذ الحرية، فيما المجتمعات المجاورة تنفتح، أي أن الكويت كرسالة ثقافية إلى العالم العربي تحوَّلت أشبه بسجن تُهيمن عليه التيارات المتخلفة.
تخيَّلوا أن وزير الداخلية وبدلاً من الدفاع عن نشاط ثقافيٍّ وطنيٍّ بريء جداً في سوق المباركية يخضع لنائب لم يستسغ هذا الاحتفال ويأمر بمنعه، في مشهد لا يمكن وصفه بغير ديكتاتورية نيابية متخلفة تفرض نفسها على الدولة ككل بقوة التهديد والابتزاز.
هذه التيارات ولكي تضمن إمساكها بعصا الهيمنة سهلت لظهور الآفات الهدامة التي نعيشها اليوم، بدءاً من ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات جراء منع المشروبات، مروراً بالفساد الوظيفي وتغطيته، وصولاً إلى التآمر على الدولة مع بعض الجهات الخارجية، وعملت على إشاعة التطرف، ليس على المستوى السياسي فقط، بل حتى القبلي والطائفي، ما جعل المشهد الكويتي كئيباً ولا يُبشر بخير أبداً.
أمام هذا الوضع المزري لا بد من تحرُّك ما، أقله أن تستخدم الحكومة سيف مراسيم الضرورة، وهي خطوة جربناها مع مرسوم الصوت الواحد وقد أثبت نجاحه، لأن بذلك وحده تستطيع وقف هذا العبث، لكي تعيد ترتيب الأوراق بما يتناسب مع المصلحة العليا للكويت، ما يؤهلها أن تصبح شريكاً في صناعة مستقبل المنطقة، وإلا سنبقى أسرى التخلف والفساد، الناس تتقدم ونحن نتخلف، فهل تُقْدِمُ الحكومة على هذه الخطوات الجريئة أم ستبقى خائفةً من ظلِّها؟
بعد كلِّ تدخلات النواب والقبائل والمتنفذين والتيارات الطائفية والسياسية والعبث ومحاولات الهيمنة تبقى الحكومة وحدها الملومة شعبياً، لأنها كمن حبست نفسها في الأوهام ولم تقدم على ما يجعلها تمارس صلاحياتها، فضعُفت وأضعفت معها المناعة الوطنية الكويتية.

أحمد الجارالله

You might also like