الحكومة ليست شريكة بتزوير الجناسي… ولأن لا تزوير

زيد الجلوي

زيد الجلوي

لم يكن فكر الناس في الكويت فكر دولة، كما هو اليوم. فقد كان أقصى ما يستوعبونه، أنهم في إمارة تفكير أناسها، لم يتجاوز فكر أهل القرى والبوادي. تحكمهم عقلية “سود الله أو وبيض الله وجه فلان بن فلان”، وعقلية “لا يطلعونك بالشينة ويطلعون بالزينه”، “وتجمل بالرجال ومعرفتهم تجارة”، و” الخال لولا الشك والد”، و” العم مثل الأب”، و” وجيت بن فلان وردني الله يطيح حظه”، وهي مقولة يخشونها.
لذلك عندما شكلت لجان الجنسية في الكويت، إذا جاء زيد من الناس، ومعه ابن أخيه المتوفى والده، ويرغب بإستخراج جنسية له، وسأل عن والده، وأبلغ بأنه متوفى. قيل له حتى من لجنة الجنسية ذاتها، “سجله على اسمك”، ما فيه فرق بينك وبين أخوك، “العم مثل الوالد”. وإذا جاء بأخيه ووالدهم متوفى، تقول اللجنة لشقيقه سجله على اسمك، وفقا للمقولة العرفية “الأخ الكبير بمثابة الوالد”. كل ذلك طبعا من باب النصيحة السرية، واللجان تعرف وكلها تنصح بذلك. لأن رجال تلك اللجان، هم من بيئة القرية والبادية. التي لم تكن ماهرة في حينها، في كيفية التعامل مع الدولة.
لقد كانوا قرويين وبدوا في إمارة ملكية عربية، بسطاء لا يقرأ أكثرهم، والقارىء فيهم لا يمكن وصفه بالمثقف، بقدر ما هو متعلم. فإذا قارنا ما بين كبار المثقفين في وقتنا الحالي، الذين ورغم اعتقاد الناس، أن سلوكياتهم بلغت حدا من التمدن. نجدهم وفي الأزمات، لم يتمكنوا من الإبتعاد عن موروثهم القروي، أو البدوي. فما حسبنا برجالات لجان الجنسية الكويتية، وهم يشاهدوا أن القانون المكتوب، قد تسبب في حرج لهم، مع مكونات مجتمعهم.
كان رجال لجان الجنسية أنذاك، إذا قيل لهم، من “وين أجيبلكم فلان وهو في العراق، والا في سورية، والا السعودية، والا إيران”. قالوا له سجله على اسمك، أو اسم أخوه، أو خاله. كلهم في الشيء. ولتوضيح الفكرة بشكل أفضل، كانت عقلية “أنت ومالك لأبيك”، عندما كان الوالد يتعامل بإسماء أبنائه، ويتسلم عنهم ديونهم، ويتصرف في جميع شؤونهم.
لم تكن نفسيات رجال لجان الجنسية آثمة، للقول بأنهم أرادوا التزوير في ملفات الجنسية، ولم يكن من تقدموا للجان الجنسية، أصحاب نفوس أثمة، أملوا على المكلف بحسن نية ببيانات كاذبة، لأن قانون الجزاء الكويتي جاء لاحقا لقانون الجنسية، وحتى اللجان التي شكلت للجنسية في الستينات من القرن الماضي، حكمتها عقلية “الخال لولا الشك والد”، و” وعمك مثل أبوك”، وأنت ومالك لأبيك”.
حتى الناس في تلك المجتمعات، لم يكن وعلى الأرجح، متداول بينها مصطلح تزوير، أو نصب واحتيال، فأقصى ما كانوا يتداولونه مصطلح “سرقة وقتل”. لم تكن كثير من الجرائم معروفة حينها، وهي التي نشأة مع نشأت المدن، بعد تطور الجريمة، وتطور القوانين لحماية المجتمعات منها.
هناك فجوة في تاريخنا الكويتي، على شعبنا إدراكها. بالتدقيق بعقلية وثقافة الناس بالمرحلة الزمنية، ما بين القاعدتين العرفية والتشريعية، التي كانت مكتوبة، ولكن لم يكن معمولا بها. فهناك كانت قاعدة “يا معود مشي الأمور كلنا أعيال قرية وعارف أخيه”، “وتبي اطبق قوانينك علي ترى من صادها عشا اعياله”. لم تكن قاعدة “الإحتفاظ بنية العودة موجودة”. لأن الوطن العربي والإسلامي، كان منفتحا على بعضه بعضا. والناس في الكويت لها أملاك في إيران والسعودية وسورية والكويت، ومنهم من له أملاك في الهند. فهذه القاعدة ليست من بنات الواقع، لكونها لم تلامسه، وتعبر عنه.

\ كاتب كويتي
Zaidaljloiyahoo.com