الحنين والشوق إلى نجد في قلوب العرب

بقلم: أحمد بن محارب الظفيري*

الحنين والشوق الى نجد العزيزة الغالية إرث خالد في قلب ووجدان كل عربي مهما بعدت داره وشط مزاره ولسان حاله يقول:
“وامنحوا يا أهل نجد وصلكم
مستهاما يتشكى البرحا
واذكروني مثل ذكراي لكم
رب ذكرى قربت من نزحا”..
الشعراء العرب يصفون ديار نجد الحبيبة, فهي في قلب كل عربي اين ما كان في هذه الدنيا, فهي موطن الذكريات الخالدة الغانمة لكل امة العرب.. انها نجد العرب, نجد النقاء والبهاء تغنى بها الاجداد من دور ثمدا ثمود وبنية العمود ومن دور شداد بن عاد وتبعهم في الغناء بها الاحفاد عبر تقادم العصور وتتابع الاجيال, واصفين رقة نسيمها وعذوبة مياهها ونقاء ترابها وجمال نواوير اعشابها واشجارها ذات الروائح الندية الزكية العاطرة.. ان لارض نجد في كل فصول السنة بنة مسكية فواحة لا يعرفها الا من عاش في رياضها وفياضها بين شيحها وقيصومها ورمرامها ورمثها وعرفجها.. الشاعر السعودي الدكتور محمد بن سعد بن حسين في ديوانه “أصداء وأنداء” يتغنى في محبوبته نجد, قائلا:
“غنيت نجدا احاسيسي وافكاري
وصغت في مدحها نثري واشعاري
ازجي اليها اناشيد مضمخة
بالحب في كل حين فهي مزماري
لا يعذب اللحن الا في مرابعها
او يطرب الشدو الا وهي قيثاري
علقتها في احاديث الجدود هوى
مشبوبة في فؤاد الصب كالنار”..
ونجد بالنسبة له هي الحبيبة الغالية وهي الامل الذهبي والحلم الوردي, والتراب العزيز, انها نجد ماحية الهموم والاحزان, على ارضها يصبح الشايب ولدا ! استمع الى ما يقوله ابنها محمد بن سعد:
“لولاك يا نجد الحبيبة لم يعش
في خاطري حلم الوصال شبابا
نحيا مع الاحلام نمضغ حلوها
دهرا وتسقينا مناه سرابا”..
“لا تعذلوه” فنجد داره ودار عشيرته واصحابه, وهي انشودته الخالدة على مر الزمان, فهي ام الامجاد والمفاخر الثرة, يقول:
” لا تعذلني فنجد دار احبابي
وأخوتي وبني عمي واصحابي
اني احدث صدقا ما تفيض به
مشاعري غير مرتاب وكذاب
نجد بكل فم انشودة عذبت
انغامها كنسيم الفجر منساب
امجادها ثرة الينبوع ممرعة
الرياض تندى بأحساب وانساب”
وهذا الفرزدق ابو فراس همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي (ت 110ه¯ أو 114 ه¯) وهو بزوراء المدينة تحن ذلوله (مطيته)
وترزم كحنين الخلفة (الناقة الوالدة) المظيرة على البو (جلد ولد الناقة المحشو بالحشائش وأعواد الشجر) تريد ديرتها وديرة صاحبها في شرقي نجد, حول فلج (وادي الباطن الآن) أو حول سيف الكواظم (منطقة كاظمة – بر وبحر), يقول الفرزدق:
“تحن بزوراء المدينة ناقتي
حنين عجول تبتغي البو دائم
فيا ليت زوراء المدينة أصبحت
بأعفار فلج أو بسيف الكواظم”..
وهذا أبو حزرة جرير بن عطية بن خطفي اليربوعي (ينطقه بدو اليوم الجربوعي) التميمي, ولد باليمامة ونشأ في بادية نجد وتوفي في اليمامة سنة 114 ه¯, يترنم بهذه الأبيات وكأنه يرد على ابن عمه الفرزدق يقول:
“هل ينفعنك إن جربت تجريب
أم هل شبابك بعد الشيب مطلوب
أم كلمتك بسلمانين منزلة
يا منزل الحي جادتك الأهاضيب
كلفت من حل ملحوباً وكاظمة
هيهات كاظمة منا وملحوب
قد كلف القلب حتى زاده خبلاً
من لا يكلم إلا وهو مجنون”..
ولنستمع إلى الصمة بن عبدالله القشيري, وهو يصف الحنين إلى “ريا” تلك الغادة النجدية اليعربية الحسناء, التي شط مزارها وبعدت دارها, يقول:
“حننت إلى ريا ونفسك باعدت
مزارك من ريا وشعباكما معاً
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً
وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا
قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى
وقل لنجد عندنا أن يودعا”..
وهذا بدوي من أهل نجد التحق مع أحد جيوش الفتح الإسلامي, شأنه شأن غيره من شباب العرب الذين تدفقوا كالسيل الجارف ملتحقين بالجيوش الإسلامية المتجهة لفتح البلدان وتحريرها من ظلم العباد, ونشر الإسلام بعدالته وخيره في تلك الربوع, هذا الشاب البدوي النجدي الذي يجاهد في سبيل الله من أجل الشهادة والأجر والغنيمة, طال عليه الزمان وهو ساكن في بند (مدينة جند) من البنود العسكرية المرابطة في بلاد الروم, تذكر موطنه فحن اليه وأنشد:
“تبدلت من نجد وممن يحله
محلة جند ما الأعاريب والجند
وأصبحت في أرض البنود وقد أرى
زماناً بأرض لا يقال لها بند”..
ولنستمع إلى الشاعر ابن الدمينة عبدالله بن عبيد الله بن أحمد (ت 130 ه¯¯ 747م) ماذا يقول عن نجد وصباه بعد أن رأى وعاين الورقاء تهتف على غصن (فنن) من أغصان (أفنان) شجرة الآس (الرند):
“ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
فقد زادني مسراك وجداً على وجدي
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن
جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي”
بكيت كما يبكي الحزين صبابةٍ
وذبت من الشوق المبوح والصد
وقد زعموا أن المحب إذا دنا
يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدارِ خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي عهد”..
ولنستمع إلى ما يقوله الكاتب الشاعر مهيار الديلمي (ت 428ه¯/ 1036م) “عن نجد وظباء (غزلان) حماها:
“ودون نجد وظباء الحمى
أن يقرع المنسم والغارب
والفيلق الشهباء من عامر
والطاعن الغيران والضارب
والشمس ادنى من تميمية
طالعها من رامةٍ غارب
لو سبقت بالغدر في قومها
لما وفى في قوسه حاجب”..
في البيت الاخير يستخدم مهيار التورية الجميلة, فهو يرمز الى شيخ قبيلة تميم حاجب بن زرارة الذي رهن قوسه عند ملك الفرس كسرى ليضمن لقبيلته الرعي بسواد العراق بسلام واذا جاء المطر والربيع يخرجون من أرض العراق الى باديتهم بسلام من دون مشكلات مع الدولة الفارسية لانهم في وجه شيخهم حاجب بن زرارة كفيلهم وضامنهم, وايضا يشير مهيار الى معنى اخر وهو ان الفتاة التميمية اشارت بحاجب عينها لتصدق بوفاء الوعد.
وهذا شاعر العراق الكبير في العهد العثماني عبدالغفار بن عبدالواحد بن وهب الاخرس (ت 1291ه¯/ 1874م) يمدح أهل نجد وشيخهم سليمان بن عبدالرزاق باشا الزهير (ت 1293ه¯/ 1876م) على انقاذهم البصرة ومحافظتهم عليها, يقول:
“أرى البصرة الفيحاء لولاك اصبحت
طلولاً عفت بالمفسدين وارسما
حماها سليمان الزهير بسيفه
منيع الحمى لا يستباح له حمى
تحف به من آل نجد عصابة
يرون المنايا لا أبا لك مغنما
أأبناء نجد أنتمو جمرة الوغى
إذا أضرمت نار الحروب تضرما”..
الشاعر عبدالرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني (ت 803 ه¯/ 1400م) يخاطب المطي (الركايب) السارية الشاجية مع الشاعر كلما هب نسيم الصبا من جبلي أجا وسلمى, يقول:
“قل للمطي اللواتي طال مسراها
من بعد تقبيل يمنا ويسراها
ما ضرها يوم جد البين لو وقفت
نقص في الحي شكوانا وشكواها
لو حملت بعض ما حملت من حرقٍ
ما استعذبت ماءها الصافي ومرعاها
لكنها علمت شوقي فأوجدها
شوق إلى الشام أبكاني وأبكاها
ما هب من جبلي نجدٍ نسيم صبا
للغور إلا وأشجاني وأشجاها”..
ولنستمع إلى الشاعر الكاتب مهيار الديلمي (ت 428ه¯/ 1036م) وهو ينشد:
“أعد نظرا فلا خنساء جار
ولا ذو الأثل منك ولا الجنوب
إذا وطن عن الأحباب عزى
فلا دار بنجد ولا حبيب
لعل البان مطلولاً بنجدٍ
ووجه البدر عن هند ينوب”..
الشاعر عبدالرحمن بن عبدالله بن الحارث الهمداني الملقب ب¯ (أعشى همدان) والمتوفى سنة 83 ه¯/ 702م يشبه حبيبته المزيونة بالظبية النجدية المطفل (ذات الولد) ويسمى ولد الغزالة الصغير ب¯ (الخشف) فإذا كبر سمي ب¯(الشادن), يقول الهمداني واصفا محبوبته:
“كأن مقلدها إذ بدا
به الدر والشذر والجوهر
مقلد أدماء نجدية
يعن لها شادن أحور
كأن جني النحل والزنجبيل
والفارسية إذا تعصر
يصب على برد أنيابها
مخالطه المسك والعنبر”..
وللشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى (ت 406 ه¯/ 1015م) هذه الأبيات:
“يا نزيلا بذي الأراك إلى كم
تنقضي في فراقكم أعوامي
أين أيامنا بشرقي نجدٍ
يا رعاها الإله من أيام
حيث غصن الشباب غض وروض
العيش قد طرزته أيدي الغمام
وزماني مساعدي وأيادي اللهو
نحو المنى تجر زمامي”..
ويتغنى مهيار الديلمي بهذه الأبيات الرقيقة الراقية:
“ألشيء غير ما جيراننا
نقضوا نجداً وحلوا الأبطحا
يا نسيم الصبح من كاظمةٍ
شد ما هجت الجوى والبرحا
الصبا إن كان لابد الصبا
إنها كانت لقلبي أروحا”..
ولمهيار أيضاً هذه الأبيات:
“ظللت بنجد يفر الغرام
من أضلعي وأجد اتباعا
وأنشد خرقاء بالعاشقين
تمد إلى القتل كفاً صناعا
إذا استبطأت من دجى ليلةٍ
صباحاً أماطت يداها القناعا”..
“خرقاء” هو لقب ميَّة بنت طلبة بن قيس المنقرية العامرية عشيقة الشاعر ذي الرمة غيلان بن عقبة بن نهيس العدوي المضري, وكان مسكنها مع عشيرتها المناقرة قرب قارة فلجة (وما زالت هذه القارة معروفة باسمها القديم حتى هذا اليوم وتقع في بادية الظفير) وتقع قارة فلجة على طريق الحجيج, لذلك يخاطب ذو الرمة قوافل الحجيج التي تمر بفلجة قائلاً:
“تمام الحج ان تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللثام”..
وقال الشاعر الصمة بن عبدالله القشيري بعد ان فارق أهله في نجد وأصبح جندياً:
“وكنت أرى نجداً وريا من الهوى
فما من هواي اليوم ريا ولا نجد
فدعني من ريا ونجد كليهما
ولكنني غاد إذا ما غدا الجند”..
وهذا الشاعر صر در, يتمنى الفرار والنجاة من ارض نجد لكي لا يعلق فؤاده بحب نجد فثراها ينبت الشوق والوجد في حشاشات الاحياء والاموات فهي ارض المجد والفخار والغيد الحسان يقول:
“النجاء النجاء من ارض نجد
قبل ان يعلق الفؤاد بوجد
ان هذا الثرى ليثبت شوقاً
في حشى ميت اللبانات صلد
كم خلي غدا اليه فامسى
وهو يهذي بعلوة او بهند”..
وهذا صريع العشق والغرام قيس بن الملوح (ت98 ه¯ / 688م) رأى البرق وهو هائم في صحراء الشام فتصوره مصباحاً يضيء على ربى نجد او انه وجه حبيبته ليلى بنت سعد العامرية رفعت عنه البرقع فصار المساء صباحا يقول قيس بن الملوح العامري:
“أو ميض برق في الابيرق لاحا
ام في ربى نجد ارى مصباحاً
ام تلك ليلى العامرية اسفرت
ليلاً فصيرت المساء صباحاً”..
وهذه احدى فتيات العرب اسمها زينب الضبية لما نزحت قبيلتها بني ضبة من نجد اخذت تحن الى نجد وطيب ترابها ونسائم ريح الصبا واقسمت بانها لن تنسى نجداً ما دامت حية وما دام النهار والليل يتعاقبان تقول:
“فيا حبذا نجداً وطيب ترابه
اذا هضبته بالعشي هواضبه
وريح صبا نجد اذا ما تنسمت
ضحن او ست جنح الظلام جنائبه
واقسم لا انساه ما دمت حية
وما دام ليل من نهار يعاقبه”..

دعاة الوحيد

واذكر وانا شاب يافع احد رجال قبيلتي هاجر الى احدى الدول المجاورة ورجع الى قبيلته الظفير وهو شايب مسن مع اسرته فقال له احد ابناء عمومته: لماذا يا فلان توك ترجع معاتباً له, فرد عليه: والله ان قلبي متعلق بنجد وان ترابها ما طاح من آذاني ونحن نقول: الحمد لله الذي جعل ملوك الجزيرة هم آل سعود دعاة التوحيد وبناة الحضارة الذين نشروا الخير والآمان في ربوعها وسهلوا عودة ابناء جزيرة العرب المهاجرين الى الخارج.
وهذه ابيات من اغنية شعبية يتغنى بها المطرب الكبير محمد عبده تصف الحب والحنين الى نجد العذبة النقية موطن البهاء والجمال والمراجل والمرؤات:
“لا رحت للساحل الشرقي
طرا علي نجد وفياضه
يا ما حلا لا يح البرق
والسيل لي حار بحياضه
يا ما حلا نايح الورق
بين البساتين في ارياضه
يا نجد ريمك بهن فرق
في طول عنقه ومركاضه
قلبي على شوفكم حرق
يا حلو صيفه ومقياظه”..
هوى أحد خلفاء بني العباس أعرابية, فتزوج بها, فلم يوافقها هوى المدن, فلم تزل تعتل وتتأوه, مع ما هي عليه من النعيم والراحة, والأمر والنهي, فسألها عن شأنها, فأخبرته بما تجد من الشوق الى البراري وأحاليب الرعاء, وورود المياه التي تعودت, فبنى لها قصرا على رأس البرية بشاطئ دجلة, وأمر بالاغنام والرُّعاء ان تسرح بين يديها وتتراءى لها, فلم يزدها ذلك إلا اشتياقا الى وطنها, ثم مر بها يوما في قصرها من حيث لا تشعر بمكانه, فسمعها تنتحب وتبكي, حتى ارتفع صوتها, وعلا نحيبها, ثم قالت:
“وما ذنب أعرابية قذفت بها
صروف النوى من حيث لم تك ظنت
تمنت أحاليب الرعاة وخيمة
ب¯ “نجد” فلم يقض لها ما تمنت
إذا ذكرت ماء العذيب وبرده
وبرد حصاه آخر الليل أنت
لها أنة بعد العشاء وأنة
سحيرا ولولا انتاها لجنت” ..
فخرج عليها الخليفة, وقال: قد قضي ما تمنيت, فالحقي بأهلك من غير فراق, فما مر عليها وقت أسّر من ذلك, وسرى ماء الحياة في وجهها من حينها, والتحقت بأهلها بجميع ما كان عندها في قصرها, وظل الخليفة يزورها في أهلها بين الحين والحين. هذه القصة منقولة من كتاب “محاضرة الابرار ومسامرة الاخيار” الجزء الثاني الصفحة 248 لابن عربي, وهي منشورة بكتب عدة أخرى.
وهذه فتاة بدوية من قبيلة العجمان العربية الكريمة, زوجها والدها خويلد العجمي برجل حضري فاضل من أهل جزيرة دارين اسمه عبدالوهاب, ولكن هذه الفتاة البدوية سئمت حياة المدينة وكرهت حياة الحضارة وحنت الى البادية, الى الشمس والرمال والرمث والشيح والقيصوم والنقل والخزامي والغضى. فأرسلت هذه الابيات الشعبية الى والدها تستنجده:
يا راكب اللي ما هزعها الرديف
أسبق من اللي علقوا في دقلها
تمسي “خويلد” نور عيني وريفي
يا عيد أهل هجن لفنه بأهلها
يا ابوي ما مثلك رماني بسيف
في ديرة ما منكم اللي سكنها
مالي ب¯ “دارين” ولا ب¯”القطيف”
ولا بذا “الغرفه” ولا من دهلها
شفي على نضو احباله اتهيف
و”الحرمليه” يوم يزمى جبلها”
شرح البيت الاول: تخاطب الراكب على الذلول (الجمل الاصيل أو الناقة الأصيلة), التي ما انهزعت(مالت) بسبب الرديف (الذي يركب خلف راكبها), أي لم يؤثر فيها ثقل الرجلين اللذين يركبانها, فهذه الذلول هي اسبق من السفينة التي يعلقون شراعها في دقلها.
شرح البيت الثاني: تقول الفتاة: وهذه الذلول بسبب سرعتها الفائقة سوف تمسي عند ابوي خويلد نور عيني وريفي, (الذي نستشفه من كلام الفتاة انها هي التي جهزت الذلول براكبها وارسلتها من دارين الى والدها في باديته ليعمل على طلاقها من زوجها الحضري عبدالوهاب الداري). وفي شطر البيت الثاني تؤكد أن والدها كريم جدا فهو عيد (فرح) لاهل الهجن الذين يلفونه (يحلون عليه) ضيوفا.
شرح البيت الثالث: تخاطب والدها قائلة: يا أبي ليس من هو مثلك يرميني بسيف (ساحل البحر), أي يجعلني اعيش على ساحل البحر ومثل هذه الديرة التي هي بحرية لا يوجد احد منكم سكنها قبلي! وهي هنا ترمز بأنها هي وأهلها من أهل البوادي وليسوا من أهل اسياف البحور. شرح البيت الرابع: تقول إنها ما لها رغبة في بلدة دارين ولا في بلدة القطيف لأن البلدتين متجاورتان وكذلك ليس لها رغبة في سكنى (الغرفة) ولا تحب حتى من يدخل “يدهل” هذه الغرفة, واضح جدا كرهها لحياة الحاضرة وكرهها للسكن في بيوت المدر “الطين”.
شرح البيت الخامس: ان شفاتها (رغبتها وحبها) هو لنضو (لجمل) حباله وسفايفه المعلقة عليه تهيف (تتحرك, تتمايل) خلال مشيه, وكذلك حبها ورغبتها لموضع اسمه “الحرمليه” وهي مورد ماء في عالية نجد, ويزداد حبها وشوقها للجبل القريب من الحرمليه عندما تراه من بعيد وهو يزمى “يتسامى ويرتفع للرائي” والحرمليه وجبلها من أماكن سكنى أهاليها في باديتهم.
أخي وعزيزي القارئ العربي, لا تلم هذه الفتاة العجمية اليامية من بنات العرب الأواخر التي ساقتها اقدار الزمان لتسكن في بلدة دارين, انها شبيهة وطبق الاصل لجداتها القديمات من بنات الاعراب الاوائل عرب الجاهلية والاسلام ومرورا بكل العصور, فعرب اليوم هم عرب الأمس في العادات والتقاليد والمثل والاخلاق الفاضلة والموروثات الشعبية المتوارثة عبر تقادم السنين وتتابع العهود والاجيال. ونحن نعرف والكثير من رجال القبائل يعرفون ان بعض بنات جميع القبائل حصلت لهن نفس قصة بنت خويلد يوم كان الناس في مرحلة التبدوي قبل ان يتحضرن.

* باحث في التاريخ والتراث
[email protected] com

Leave A Reply

Your email address will not be published.