الحيلة حكايات عربية للعبرة والتسلية (22)

0 6

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلا من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

الحيلة من فوائد الآراء المحكمة وهي حسنة ما لم يستبح بها محظور، وقد سئل بعض الفقهاء عن الحيل في الفقه فقال: علمكم الله ذلك فإنه قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ” وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة، ورّى بغيرها ، وكان يقول: “الحرب خدعة” . ومما يروى عن أصحاب الحيل ما ذكره ابراهيم شمس الدين في كتابه “قصص العرب” أنه لما أراد عمر رضي الله عنه قتل الهرمزان استسقى ماء فأتوه بقدح فيه ماء، فأمسكه في يده واضطرب فقال له عمر لا بأس عليك حتى تشربه، فألقى القدح من يده فأمر عمر بقتله: فقال: أو لم تؤّمني؟ قال: كيف أمنتك. قال: قلت لا بأس عليك حتى تشربه وقولك لا بأس عليك أمان ولم أشربه، فقال عمر: قاتلك الله أخذت مني أمانا ولم أشعر.وقيل: كان دهاة العرب أربعة، كلهم ولدوا بالطائف: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع.
وكان يقال: الحاجة تفتح أبواب الحيل. وكان يقال: ليس العاقل الذي يحتال للأمور إذا وقع فيها، بل العاقل الذي يحتال للأمور أن لا يقع فيها. وقال الضحاك بن مزاحم لنصراني: لو أسلمت، فقال: ما زلت محبا للإسلام إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر، فقال: أسلم واشربها، فلما أسلم قال له: قد أسلمت، فإن شربتها حديناك وإن ارتددت قتلناك، فاختر لنفسك، فاختار الإسلام وحسن إسلامه، فأخذه بالحيلة.
وكان المختار بن أبي عبيدة الثقفي من دهاة ثقيف وثقيف دهاة العرب، قيل: أنه وجه إبراهيم بن الأشتر إلى حرب عبيد الله بن زياد، ثم دعا برجل من خواصه، فدفع إليه حمامة بيضاء وقال له: إن رأيت الأمر عليكم فأرسلها، ثم قال للناس: إني لأجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب أن الله ممدكم بملائكة غضاب صعاب، تأتي في صور الحمام تحت السحاب. فلما كادت الدائرة تكون على أصحابه عمد ذلك الرجل إلى الحمامة، فأرسلها، فتصايح الناس: الملائكة الملائكة وحملوا، فانتصروا وقتلوا ابن زياد.
ويروى أن المغيرة بن شعبة وفتى من العرب خطبا امرأة، وكان الفتى شابا جميلا، فأرسلت إليهما أن يحضرا عندها، فحضرا وجلست بحيث تراهما وتسمع كلامهما، فلما رأى المغيرة ذلك الشاب، وعاين جماله علم أنها تؤثره عليه، فأقبل على الفتى وقال: لقد أوتيت جمالا، فهل عندك غير هذا؟
قال: نعم. فعدد محاسنه ثم سكت. فقال له المغيرة: كيف حسابك مع أهلك؟ قال: ما يخفى عليّ منه شيء وإني لأستدرك منه أدق من الخردل. فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في بيتي، فينفقها أهلي على ما يريدون فلا أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها. فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إليّ من هذا الذي يحصي علي مثقال الذرة، فتزوجت المغيرة.
وقال المغيرة بن شعبة: لم يخدعني غير غلام من بني الحرث بن كعب، فإني ذكرت امرأة منهم لأتزوجها، فقال: أيها الأمير لا خير لك فيها، فقلت: ولم؟ قال: رأيت رجلا يقبلها، فاعرض عنها، فتزوجها الفتى، فلمته، وقلت ألم تخبرني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال: نعم رأيت أباها يقبلها.
ولما بايع الرشيد لأولاده الثلاثة بولاية العهد تخلف رجل مذكور من الفقهاء، فقال له الرشيد: لم تخلفت؟ فقال: عاقني عائق، فقال: اقرأوا عليه كتاب البيعة، فقال يا أمير المؤمنين: هذه البيعة في عنقي إلى قيام الساعة، فلم يفهم الرشيد ما أراد، وظن أنه إلى قيام الساعة يوم الحشر، وما أراد الرجل إلا قيامه من المجلس.

من الحيل الطريفة:
ما حكي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر وأعرس بصفية، وفرح المسلمون جاءه الحجاج بن علاط السلمي، وكان أول من أسلم في تلك الأيام وشهد خيبر، فقال يا رسول الله: إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة ولي مال متفرق عند تجار مكة، فأذن لي يا رسول الله في العود إلى مكة عسى أسبق خبر إسلامي إليهم، فإني أخاف إن علموا بإسلامي أن يذهب جميع مالي بمكة، فأذن لي لعلي أخلصه، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحتاج إلى أن أقول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، وأنت في حل، قال الحجاج: فخرجت، فلما انتهيت إلى الثنية ثنية البيضاء وجدت بها رجالا من قريش يتسمعون الأخبار، وقد بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إلى خيبر، فلما أبصروني قالوا: هذا لعمر الله عنده الخبر، أخبرنا يا حجاج، فقد بلغنا أن القاطع يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم قد سار إلى خيبر، قال: قلت إنه سار إلى خيبر وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فأحدقوا حول ناقتي يقولون إيه يا حجاج؟ قال: فقلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وأسر محمد وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فصاحوا بمكة قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم.
قال: فقلت: أعينوني على جمع مالي من غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر، فأغنم من ثقل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك، فقاموا معي، فجمعوا لي مالي كأحسن ما أحب، فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل عليّ حتى وقف إلى جانبي، وأنا في خيمة من خيام التجار، فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال: فقلت وهل عندك حفظ لما أودعه عندك من السر؟فقال: نعم والله قال: قلت: استأخر عني حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت على الخروج، لقيت العباس، فقلت له: احفظ عليّ حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى أن يتبعوني، فاكتم علي ثلاثة أيام، ثم قل ما شئت. قال: لك عليّ ذلك. قال: قلت والله ما تركت ابن أخيك إلا عروسا على ابنة ملكهم يعني صفية، وقد افتتح خيبر، وغنم ما فيها، وصارت له ولأصحابه. قال: أحق ما تقول يا حجاج؟ قال: قلت أي والله، ولقد أسلمت، وما جئت إلا مسلما لآخذ مالي خوفا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاثة، فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: فلما كان في اليوم الرابع لبس العباس حلة له وتخلق بالطيب، وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله هو التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيهم، فأصبحت له ولأصحابه، قالوا:
من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله وانطلق ليلحق محمدا وأصحابه ليكون معهم. قالوا: تفلت عدو الله أما والله لو علمنا به لكان لنا وله شأن. قال: ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك، فتوصل الحجاج بفطنته واحتياله إلى تخليصه وتحصيل ماله.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.