الخاطبة الإلكترونية … زواج “دوت كوم”! واقع فرضته الحياة العصرية ولا يمكن تجاهله

0 60

القاهرة – علا نجيب :

كانت الخاطبة قديما تطرق الأبواب حاملة صورا للعرسان والعرائس لتوفق رأسين في الحلال، لكن نتيجة ما أصاب المجتمعات الشرقية من تطور تكنولوجي وانفتاح هائل وارتفاع نسبه التعليم، انقرضت تلك المهنة ولم يعد لها وجود، ثم عادت لتطل برأسها مرة أخرى بشكل مختلف يتناسب مع العصر الحالي ، اذ امتهنت بعض السيدات هذه الوظيفة، بعيدا عن زواج الصالونات والأقارب، من خلال المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، فليس على الشاب أو الفتاة سوى ملء استمارة الكترونية بها المواصفات المرغوبة في الشريك، وانتظار رسالة الكترونية من “الخاطبة “التي تتولى إدارة الموقع لمقابلة الشريك المنتظر.
تستعرض “السياسة” في هذا التحقيق، قصص الزيجات الناجحة مع أشهر الخاطبات في مصر، أبرز مواصفات الشريك التي يفضلها الشباب، كيف تطورت مهنة الخاطبة خلال السنوات الأخيرة، أسباب هذه الظاهرة نفسيا واجتماعيا.
يقول الشاب محمود حسن: أعمل محاسبا بإحدى الشركات ،منذ أن قررت الارتباط والبحث عن شريكة حياتي بدأت في البحث عن فتاة تتفهم طبيعة عملي، تساندني لتحقيق ذاتي، نصبح توأمين، إلا أنني لم أجدها فأصابني اليأس، نصحني أحد أصدقائي بالتواصل مع إحدى الخاطبات على “الفيس بوك ” بالفعل ملأت الاستمارة الخاصة بي والمواصفات التي انشدها في العروس. بعد أيام ذهبت لمقابلة إحدى الفتيات المرشحات ، فأسرتني منذ النظرة الأولى لدماثه اخلاقها، حيائها، ثقافتها الواسعة، تفهمها لشخصيتي، تكررت لقاءاتنا، تيقنا من اختيارنا الناجح، تمت الخطبة بعد شهر من التعارف، أعقبه الزواج، أعيش حاليا أسعد أوقات حياتي مع زوجتي وننتظر مولودنا الأول.

سوسو الخاطبة
تقول شاهندة سميح، خبيرة نفسية: ارتبطت بخطيبي ياسر عن طريق صفحة “مدام سوسو الخاطبة”، اشتركت فيها بعد نصيحة من إحدى صديقات والدتي، بعدما تخطيت الثلاثين، قابلت ياسر الذي كان يكبرني بخمسة أعوام، يعمل محاميا بإحدى شركات المقاولات، أعجب بنضجي وخبرتي في الحياة كخبيرة نفسية في إحدى المستشفيات الخاصة، عشنا قصة حب تكللت بالخطبة، نستعد لدخول القفص الذهبي .

الوسائل الحديثة
عن قصتها مع العمل كخاطبة إلكترونية، تقول الحاجة سهير منصور “سوسو” من أشهر الخاطبات على مواقع التواصل الاجتماعي: كنت أعمل في إحدى شركات الاتصالات، وكان أصدقائي ومعارفي يستشيرونني في مسألة الزواج، يطلبون نصائحي، قررت فتح مكتب خاص لمساعدة الشباب في اختيار نصفهم الحلو، مدهم بالخبرات الحياتية، بعد ذلك قررت تدشين صفحة على “الفيس بوك “لمواكبة التطور التكنولوجي، فشهدت إقبالا شديدا من الشباب لدرجة أنه في اليوم الأول لإطلاق الصفحة تخطى عدد زوارها أكثر من عشرة آلاف، ومن خلالها نجحت في تزويج الكثيرين.
تتابع: لم يعد الشباب أو الفتيات يفكرون في زواج الصالونات أو عن طريق المعارف والأقارب، أغلبهم لديه تطلعات وآمال في نصفه الآخر يتمنى إيجادها ليكملوا الحياة معا، عادة ما تكون نظرتهم عن الزواج التقليدي أنه روتيني يخضع للظروف الاقتصادية والتوافق الاجتماعي فقط، من دون التوافق الروحي الذى يعد سر نجاح الزيجة، وذلك نتيجة وجود وعي منهم وانفتاح بعد الاقبال الشديد على الوسائل التكنولوجية الحديثة، لبناء الزيجة على التفاهم، الانسجام، الاقتراب في العقليات، تفاديا لحالات الطلاق التي زادت بصورة كبيرة في مجتمعاتنا، لكن الأمر لم يخلو من المشاكل لأن الكثيرين باتوا يستغلون “الفيس بوك” في وضع معلومات غير حقيقية مثل، أعمارهم وصورهم، التي يغيرونها عن طريق “الفوتوشوب” لذا لا أعترف بتلك البيانات الالكترونية، أطلب من الطرفين أن تتم المقابلة عن قرب، وجها لوجه، منعا للزيف والخداع، حيث يتم تحديد موعد أحضره مع الطرفين، أتحدث مع كليهما بصراحة عن مميزاته، عيوبه ،مدى تقبل الطرف الآخر له، ظروفه الاقتصادية والاجتماعية التي أتعرف عليها من خلال مقابلة شخصية لكل منهما على حدة.
الغريب أن الكثير من الفتيات ممن يخشين شبح العنوسة والعيش في وحدة، بمارسن بعض الحيل، مثل المبالغة في وضع الماكياج، ارتداء ملابس صارخة الألوان، ما يجعل العريس يهرب وينفذ بجلده. في المقابل رصدت لدى البعض منهم واقعية في التفكير واختيار شريك الحياة، بسبب ارتفاع مستوى التعليم، مثلا الفتيات لم يعدن ينتظرن فارس الأحلام على الحصان الأبيض في البيت، بل الغالبية منهن يخرجن، يعملن، لديهن خبرة حياتية كبيرة. كذلك اختلفت نظرة الأهل ،أصبح لديهم استعداد للمشاركة في اختيار الشريك، عكس ما كان سائدا في السابق حيث كان من المخزي أن تبحث الفتاة وأهلها عن عريس، لكن بسبب التطور التكنولوجي، الانفتاح، زيادة نسب العنوسة، أصبحت عائلات كثيرة تدفع فتياتها للبحث عن شريك العمر من خلال الخاطبات الالكترونيات أو تطبيقات الزواج الأخرى.
ولا شك أن معظم الشباب يبحث عن درجة الجمال العالية لكي يعف نفسه من الوقوع في الخطيئة والخيانة، فيطلبون الفتاة البيضاء والشقراء، كما يبحثون عن الأخلاق العالية، درجة التعليم المناسبة لمؤهلاتهم، الحسب والنسب لاقتناعهم أن تلك الفتاة تتحمل تقلبات الحياة، تتحمل شريكها مهما عصفت به الدنيا. أما الفتيات فأغلبهن متأثرات بالدراما التركية والهندية التي تصدر لنا قصص الحب المشتعلة ، ثم تكلل بالزواج في النهاية، رغم أنها بعيدة عن معتقداتنا وقيمنا التي تربينا عليها، إلا أن معظمهن يطمحن أن يعشن مثل تلك القصة، يجدن بطل أحلامهن الذي يقع في الحبمن النظرة الأولى. الغريب أن معظم الفتيات لا تقبل سوى بالشاب الوسيم بغض النظر عن أخلاقه أو مكانته الاجتماعية.
وعن نصائحها من أجل زواج ناجح تقول: على كل من يقدم على الارتباط أن يبحث عن شخص يشاركه هواياته وطموحاته، يساعده في تحقيق أحلامه، يفهمه من النظرة الأولى، ينسجمان من دون الحاجة للكلام، وهو ما يعرف باسم “تآلف الأرواح” لأن ذلك يقلل من حالات الطلاق الصامت والملل الذي يضرب الحياة الزوجية في سنوات الزواج الأولى، وقد يؤدي الى الطلاق. لأبد أيضا ألا يكون فارق العمر بين الزوجين كبيرا لأنه يجعل أحدهما يشعر أنه لم يعد مرغوبا فيه من الطرف الآخر، يدخل في نوبات اكتئاب وصراعات نفسية معقدة، لذلك يجب الا يزيد الفارق عن سنوات قليلة ليشعرا أنهما شخص واحد، كما يفضل أن يرتبط الشخص العصبي بطرف هادئ ليستطيع التحكم في تلك النوبات العصبية، أما الشخصية الباردة فتبحث عن شخص متزن نفسيا يستطيع تحريك مياهها الراكدة والتأثير عليها.

مهمة شاقة
تقول الدكتورة لبنى طايع، خبيرة علاقات زوجية ومستشارة نفسية ومن أوائل الخاطبات الالكترونيات: بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة بات الزواج حلما صعب المنال للطرفين، بسبب المغالاة في المهور، الشبكة، اختلاف العادات والقيم، ما رفع من نسب الطلاق في مصر حتى أصبحت من أوائل الدول على مستوى العالم في معدلات الطلاق، هذه النسب جعلت الشريكين يخافان من فكرة الارتباط الرسمي، يفضلان الدخول في علاقات وهمية أو غير كاملة خالية من الالتزامات والمسؤوليات، قد يكون التعارف عن طريق النت أحدها، حيث يلجأ كل طرف لإيهام الآخر بالدخول في قصة حب، لقضاء وقت الفراغ أو لأهداف أخرى، من دون نية للارتباط الرسمي، وبعد مرور أيام أو أشهر يبحث عن فريسة أخرى.
ومنذ قررت انشاء صفحة على “الفيس بوك ” أمارس فيها مهمة توفيق رأسين في الحلال أقبل عليها كثيرون، ممن يرغبون بإكمال نصف دينهم. تنوعت مستوياتهم الاجتماعية والثقافية، لاحظت أن بعض الرجال المتزوجين يطلبون زوجة ثانية لأسباب مختلفة ويصرحون بذلك. هؤلاء تكون لهم مواصفات مختلفة، فبعضهم يطلب شابة جميلة جدا، البعض يطلب زوجة على درجة كبرى من الثقافة والانفتاح العلمي لتواكب تطورات عقله،هؤلاء يكون من السهل العثور على مواصفاتهم بين المطلقات والأرامل اللاتي يوافقن على فكرة تعدد الزوجات. أما الباقي فيلجأ لصفحات الزواج بعد أن عصف بهم اليأس في العثور على الشريك الذي يتمنونه، بالطبع تختلف نظرة الرجل العشريني عن الرجل فوق الثلاثين، فالشاب في العشرينات يحلم بالفتاة الجميلة المتألقة المحبة للحياة، أما غيره فيحلم بالفتاة الناضجة القادرة على تحمل المسئوليات والأعباء الحياتية وتكون أما مثالية.
أما كبار السن فيرغبون في الزواج وايجاد الشريك الذي يؤنس وحدتهم، يظل بجوارهم لآخر العمر، هؤلاء يعانون من الفراغ والوحدة القاتلة، بعد وفاة الشريك وزواج الأبناء وانتقالهم للعيش بعيدا عنهم، معظمهم يقدرون قدسية الحياة الزوجية ،يبذلون مساعيهم لإيجاد نصفهم الآخر المتوافقة ظروفه مع ظروفهم، والحمد لله نجحت في تزويج الكثير من الحالات لمسنين تخطوا الستين، ويعيشون حاليا في سعادة غامرة. أما أغرب الحالات فتلك التي يكون لديها هواجس وقلق من فكرة الارتباط فتهرب قبل الوقت المحدد بدقائق، من بينها فتاة على درجة عالية من الجمال والثقافة، تفتقد الثقة بالنفس، بعد أن وجدت لها الشريك المناسب والمتوافق معها علميا وثقافيا، حددت ميعادا بينهما، فوجئت بحضور والدها وأخيها لمعاينة العريس من دونها. أيضا طبيب شاب قابل أكثر من عشرين فتاة متوافقة معه، لكنه لم يشعر بارتياح معهن ،حسب قوله، لديه أمل أن يقابل فتاة أحلامه التي ستفرض نفسها عليه من المرة الأولى. لذلك أرى أن كورسات ما قبل الزواج تعد أمرا مهما لابد من إلزام الطرفين باجتيازها لتسهيل اختيار شريك حياته .

مشكلة العنوسة
يقول الدكتور رجب نور استاذ علم النفس: ارتفاع سن الزواج وتأخره يعد سببا في إقبال الكثيرين على مواقع الانترنت و”الفيس بوك “بحثا عن شريك الحياة، خوفا أن يفوتهم قطار الزواج، من دون التفكير في عواقبه، التي تتمثل في عمليات النصب أو الابتزاز، فقد تبنى الزيجة على الاحتيال والنصب، فتصدم الفتاة بحقيقة من تزوجته من دون التحري عن صدق المعلومات التي قالها في البداية، ما يكون له آثار نفسية سيئة على الفتاة، كما أن بعض الشباب يقبلون على تلك المواقع بغرض التسلية وقضاء أوقات لطيفة مع الفتاة واتخاذها كصديقة للهروب من خطوة الزواج.

زيف اجتماعي
تقول الدكتورة سميحة نصر الاستاذ ةبالمركز القومي للبحوث الاجتماعية: الخاطبة الالكترونية وسيلة جديدة وتطور تكنولوجي فرضته الحياة العصرية ولا يمكن تجاهلها أو الاستهانة بها، خصوصا أن معظم الشباب يلجأ لتلك الصفحات كمتنفس له وهربا من العلاقات الحقيقية المحيطة به بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، غلاء المهور، تكاليف الحياة الأسرية، وحتى لا تصبح هذه الصفحات مصيدة لهم وسبيلا للانحراف، يجب فرض رقابة صارمة عليها من قبل المجتمع ،كما يجب على الفتاة الا تنساق للكلام المعسول، وأن تميز بين الشاب الذي يريد الارتباط فعليا وبين من يريد اللهو والعبث.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.