الخطاط التونسي نجا المهداوي…عودة معاصرة للوحة الخطية إيقاعات الحروف في معرض "أوج" بمركز الشيخ عبد الله السالم الثقافي

0

كتب – جمال بخيت:

ترحل أعماله الى عالم متنوع من جماليات الزمن الجميل وتتنوع بين روائع الرسم وايقاعات الحرف العربي، وصولا الى بصماته في فنون العمارة والنقش على الاماكن التراثية.
في أمسية ثقافية عزفت أنامل الخطاط والفنان التونسي نجا مهداوي لوحات فنية مميزة حملت حروف الخط العربي بطريقة جمالية مبهرة،استهلها المهداوي بورشة عرض خلالها فيلما وثائقياً في معرض خاص بمركز (عبدالله السالم) الثقافي في الكويت تحت عنوان (أوج).
تناول المعرض الذي افتتح في صالة عرض الفنون مسيرته المهنية عبر مراحلها الزمنية المختلفة من العام 1966 حتى 2018.
وعبر مهداوي عن سعادته لافتتاحه (أوج) بمركز (عبدالله السالم) الثقافي الذي اعتبره صرحا ثقافيا عالمياً مميزاً، مشيداً بجهود المنظمين والقائمين على هذا الصرح الذي يعد مفخرة لأبناء الوطن العربي أجمع، لما يحمله من جانب تثقيفي قوي وبطريقة حضارية جميلة.
واستعرض الفنان من خلال لوحاته الخطوط والأشكال وأساليب التنفيذ لأعماله الفنية، وكيف تطورت مع تطور خبرته عبر تجاربه الشخصية المختلفة، وعبر التساؤلات التي حفزت قدراته الفنية والإبداعية بينما كان يبحث عن إجابات لها.
وعاد الفنان بلوحاته إلى جذور زمانية ومكانية شهدت ولادة مسيرته واحترافه عالم الفنون، وقال إنه تأثر بأصدقائه من الشعراء والكتاب والموسيقيين في فترة الستينات الذين قرروا التمرد على التقاليد الفنية القديمة ،وتكسير القوالب الجامدة للثقافة الشرقية والقصائد الشعرية و قواعد الفن الغربي المعاصر.
ورغم أن مهداوي لم يكن مهتماً بأن يصبح جزءا من أية مجموعة أو مذهب فني ،فقد شارك في عدد من المعارض الجماعية أبرزها ذلك المعرض الذي اقيم العام 1967 في (غاليري يحيى) بتونس تحت اسم (أورا بوبيولاريس) وكانت جميع الأعمال في ذلك المعرض قوية ومؤثرة بحيث مهدت لظهور مذهب التجريد الخطي الذي كرس فيما بعد كمذهب فني على أرض الواقع.
أما عنوان المعرض (أوج) فهو اسم مقام موسيقي عراقي يختلف عن غيره من المقامات بمرونته الروحية العالية ، ففي حين تكون باقي المقامات ثابتة من حيث تركيبها وطريقة عزفها ، فإن عازف مقام أوج يحدد الألحان التي يؤديها وفقا لذوقه الشخصي مستخدما جملا لحنية من مقامات مختلفة.
ويعكس عنوان المعرض محتواه وكأن مقام أوج يرسم الخطوط الإيقاعية والجمل اللحنية لكافة أعمال المعرض.
ومثلما أن عازف مقام أوج يختار ألحانه وفقا لرؤيته ،فإن كل فرد من جمهور المعرض سيرى الأعمال بشكل مختلف وفق رؤيته وإدراكه لشكل ومعنى الحروف.
تأثر مهداوي بالمذهب الفكري (ما بعد الهيكلية) الذي لا يعترف بهيكلية ثابتة لأي مبدأ فني ،فلا يوجد تعريف واحد ثابت للفكرة الفنية ،بل هناك عدد من المعاني التي تختلف من حالة إلى أخرى ومن فنان إلى آخر.
عرف مهداوي باسم (مصمم رقصات الحروف) فهي طريقة الفنان في ترسيخ إبداعه في المساحة التي تقع بين الشغف بمعرفة المعنى وعدم القدرة على إدراك غموضه.
ولا تقتصر أعماله على تخليص فن الخط العربي من الهيبة الجامدة التي تثقل كاهله وتحول بينه وبين إبداعات محبيه ، بل تهدف إلى تركيب الحروف مع بعضها بشكل غير تقليدي لتبدو مزيجا متراقصا من الأشكال والرموز كما لو أنه شعر أدبي مجرد يعبر عن التساؤلات الإنسانية العميقة المتعلقة بالهوية والوجود.المعرض يمثل حقبا زمنية متنوعة شكلت بدايات مهداوي مع عالم الرسم وحب الطبيعة وفنون التجريد وعشق الحرف العربي الذي أصبح شغله الشاغل ، وهو من صنع شهرته وانتشاراعماله عربيا وعالميا وقتناء عدد من متاحف العالم لأعماله.
يذكر أن الحـرف العـربي وصل إلى تونـس مـنذ القـرن الأول الهـجري مع الفـاتحـين العـرب المسلمـين، وقد سـاد الخـط الكـوفي الكـتابات بالبـلاد في تـلك الفـترة إلا أنه تطـبع بنـمط الأرضـية القـيروانـية التي استـلهمت مـنه الخـط الكـوفي القـيرواني، وقد عـرف هـذا النـوع تطورا عبر العـهود التي مـرت بها تونـس، فتـأثر بخـطوط مشـرقية: “الثـلث” و”النـسخ”، كـما تأثـر بخـطوط المـغرب والأندلـس مثل: “المسـند” و”المبـسوط” و”المجوهـر“ و”المتـمشرق”، وفي العـصر الحـديث، تطـلعت المدرسة الخـطية التونسـية بمـساعي النخـبة المـعاصرة إلى تـعرف أنـماط متـنوعة منه مـثل: “الثـلث” و”التعـليق” و”الديـواني” و”الإجـازة” و”الرقـعة” و”الكوفي الحـديث”.
الخطاط مهداوي خليط معاصر شكل وعيه لعلاقة الخط بالفن, أو لوظيفة هذا الخط فنيا بدأ من معرض جماعي في روما، شارك فيه مهداوي وهو طالب في أكاديمية “سانتا أندريا ” ليكتشف من خلال زملائه الخصوصية الكورية واليابانية في الفن، إلا أن سؤال الخصوصية لديه لم يدفعه لاتجاهات الماضي المنغلقة على زمنها, بقدر ما دفعه لتوظيف المخزون الفني في الثقافة العربية والإرث المبني على الزخرفة الخطية باتجاه إعادة توليف معاصرة للّوحة الخطية التي تشكل انفتاحا على البعد الإنساني وثقافات الشعوب.
لذلك تعددت أساليب اشتغال الخطاط مهداوي ما بين الغرافيك والطباعة الحرارية على الورق إلى الرسم على الجلد ، وليس انتهاءً بالرسم على الزجاج أو المعدن، من تصميم بعض المشاريع الفنية في إطار المسرح الراقص, إلى رسوماته التي زينت هوامش الترجمة الفرنسية من كتاب “ألف ليلة وليلة ” وصولا إلى كتابه “مراتب العشق” مع الكاتبة والروائية رجاء بن عالم من السعودية عن “ألف ليلة وليلة”، كما صمم أعمالاً فنية مهمة في مطاري جدة والرياض، وكذلك أعماله على طائرات شركة طيران الخليج، إيمانا بأنها رسالة حضارية موجهة للآخر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 × 3 =