الخيار الجنوبي في التسوية اليمنية المقبلة

عبدالكريم أحمد سعيد

إن أي تسوية لوقف الحرب الدائرة باليمن لا يمكن أن يكتب لها النجاح من دون الغوص في جذور الأزمة اليمنية ، والبحث عن حلول عملية واقعية تستمد قوتها من الحقائق التاريخية والواقع الملموس على الأرض ، حيث تأتي القضية الجنوبية في مقدمة أولوياتها، ومن مصلحة الشرعية اليمنية والدول الراعية للتسوية السياسية في اليمن أن يكون للجنوب حضور وصوت مسموع ، وعدم الأستمرار في تجاهل القضية الجنوبية. ومن مصلحة الجنوبيين أيضآ المشاركة في حوارات التسوية القادمة بشكل مباشر باسم الجنوب (المقاومة الجنوبية وحراكها الشعبي) فيما إذا استطاع الجنوبيون تشكيل الكيان السياسي الجنوبي الجامع والخروج بمشروع سياسي واضح وقيادة موحدة ، أو في أدنى الاحوال الاتفاق على رؤية وفريق عمل تفاوضي متخصص من رجال الساسة والفكر والقانون الدولي والدبلوماسية ، يكون حولهم اجماع وطني والتفاف شعبي ، يمكنهم من فرض مطالب الشعب الجنوبي وتحقيق تطلعاته نحو الحرية ، التي جسدها شعبنا بالتضحيات الجسيمة والنصر المؤزر على قوات الحوثي وصالح الإنقلابية الغازية ، بفضل صمود أبطال المقاومة الجنوبية ودعم التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
لقد فرض شعبنا سيطرته على الأرض ، الأمر الذي يمنحه الحق أن يفرض مطالبه أيضاً وينتزع حقوقه المشروعة . فالعرف المتبع في تاريخ الحروب ان (من يصنع النصر يملي شروطه) وليس العكس، كما تتوهم مطابخ صنعاء واذنابها داخل الشرعية اليمنية ، الذين يحاولون تجيير هذه الانتصارات لخدمة مصالحهم واطماعهم.
كما يبدو واضحاً أن التسوية المقبلة، ستكون بين وفد الشرعية وبين وفد الانقلابين (صالح والحوثيين) فقط ، ولن يكون هناك تمثيل رسمي للجنوب بأسم الحراك والمقاومة الجنوبية الممثل الأساسي لشعب الجنوب ، على اعتبار أن الحرب قامت من أجل إعادة الشرعية اليمنية . في ظل غيوم ملبدة مازالة تخيم على سماء البيت الأبيض والمنطقة
لهذا لابد من تحرك سياسي سريع من قبل النخب السياسية الجنوبية بمختلف أطيافها، والعمل بذكاء وفطنة سياسية تجمع بين قيادات الحراك والمقاومة الجنوبية وبعض رموز الشرعية من الجنوبيين، والجلوس مع الرئيس هادي لإجراء تفاهمات قبل بدء مفاوضات التسوية والتنسيق حول مستقبل القضية الجنوبية وما سيطرحه الجنوبيون المشاركون في هذه المباحثات ، كما يجب الاتفاق مع الرئيس هادي على تشكيلة وفد الشرعية التي ينبغي أن تشارك فيه شخصيات جنوبية متمكنة تعمل مع الشرعية ، تحمل مشروعاً مقبولاً للجنوبيين وبمشاركة غير مباشرة.
هناك شخصيات جنوبية تعمل في اطار الشرعية تحظى بقبول واسع في الشارع الجنوبي أمثال السيد حيدر أبوبكر العطاس والأستاذ علي منصر محمد مستشاري الرئيس هادي والأستاذ علي هيثم الغريب والسفير شائع محسن بأمكان مشاركتها إلى جانب بقية أعضاء وفد الشرعية اليمنية . بحيث يتم تقديم مبادرة جديدة على طاولة المتحاورين لإحلال سلام دائم في اليمن ، وحل جذري للأزمة اليمنية بما يلبي تطلعات ومطالب الشعبين في الشمال والجنوب وليس بما تريد فرضه بعض القوى المتنفذة باليمن على حساب الشعبين. من خلال طرح رؤية دولة الرئيس حيدر العطاس (اتحاد كونفدرالي بين الشمال والجنوب بنظام فدرالي) بحيث تكون هناك اقاليم داخل كل حكومة فدرالية ، يتم تحديدها فيما بعد من قبل تلك الحكومات الموقعة على الاتحاد الكنفدرالي بين الشمال والجنوب وذلك بعد انتخاب هذه الحكومات من قبل الشعب مع حق شعب الجنوب في الاستفتاء بعد المرحلة الأنتقالية على البقاء أو الخروج من الاتحاد الكنفدرالي.
من هنا يكمن العمل السياسي الناجح والعقل الجنوبي الناضج في تبادل الادوار التكتيكية مع التمسك بالهدف الستراتيجي الكبير لشعبنا الذي ضحى من أجله خيرة رجال وشباب الجنوب ، ويظل الحراك الجنوبي والمقاومة الجنوبية متمسكاً بأهداف الثورة الجنوبية (الاستقلال) وإعادة بناء الدولة الجنوبية الجديدة ، والتي تتطلب من أجل تحقيقها بذل المزيد من التضحية والعطاء والعمل الدؤوب والتعاون المشترك بين مختلف شرائح المجتمع الجنوبي ونخبه السياسية.
على قيادات الحراك والمقاومة الجنوبية الإسراع بتشكيل الكيان السياسي الجنوبي وتوحيد قياداته ورؤيته ، لخوض مرحلة ما بعد التسوية عند أنتهاء الحرب . يبدا بعمل مؤسسي وتصعيد ثوري منظم وفرض أمر واقع على الأرض ، كمرحلة فاصلة وحاسمة للجنوب ، تتطلب اصطفافاً وطنياً حقيقياً غير قابل لأي مساومة أو خذلان ، في حالة استمرار تجاهل القضية الجنوبية من قبل المجتمع الدولي والاقليمي واليمني وحينها ستنكشف الأوراق المبهمة للجنوبيين وتتضح الحقائق أمام الشعب، وحتما ستنتصر الإرادة الشعبية الجنوبية.

كاتب يمني