أحد أهم العوامل في تفكك الأسر وفساد المجتمعات

الخيانة الزوجية… وباء يستفحل بسبب التكنولوجيا أحد أهم العوامل في تفكك الأسر وفساد المجتمعات

القاهرة – عبد المقصود الملاح:

تعد الخيانة الزوجية احدى القضايا الشائكة على مدار التاريخ في حياة الأسرة , والتي تتوقف عندها عقارب الحياة الأسرية عن الدوران, ليس فقط حال التأكد من حدوثها, ولكن أيضا عند الشك في نية الطرف الآخر سواء كان الزوج أو الزوجة في ارتكابها. حول الخيانة الزوجية, أسبابها, تأثيرها على الأسرة والزوجين والمجتمع, وكيفية مواجهتها أو القضاء عليها, يدور تحقيق “السياسة” التالي.
يؤكد الدكتور ابراهيم مجدي, أستاذ الطب النفسي, بجامعة عين شمس, أن تعريف الخيانة في علم النفس والطب النفسي لا يرتبط فقط بالحياة الزوجية, بل يمتد ليشمل الصلات الاجتماعية كالصداقة, كما تعتبر خيانة الأمانة أحد أنواعها, مضيفا أن الخيانة كصفة غير محمودة تتفاوت نسبة وجودها وتأثيرها من شخص لآخر, تبعا لاستجابة الشخص لاملاءات الضمير, كما أن الاستعداد لارتكاب الخيانة يرتبط بعدد من العوامل منها الثقافة, درجة الوعي, التدين, طريقة التنشئة, ومدى الاهتمام بالقيم.
ويشير الى أن للخيانة أنواعاً فهناك المؤقتة أو “النزوة”, والخيانة المستمرة, فالأولى تنتج عن غياب لحظي للضمير الحاكم لتصرفات الشخص, أو لضعف مؤقت أمام أحد المغريات التي لم يستطع مقاومتها أو لعدم قدرة الزوجة على احتواء زوجها لحظيا, أما الثانية فيرتكبها في العادة شخص “سيكوباتي”, يعاني من خلل في الشخصية يجعله يتلذذ بالخيانة, وهو ما يطلق عليه لقب “بتاع ستات” أو “زير نساء”, وهو لا يكتفي بعلاقة واحدة لوجود شبق جنسي دائم لديه, اضافة لادمانه الجنس.
ويمكن للزوجة أو الزوج منع الخيانة “المؤقتة”, لكونها حادثا عارضا وليست طبعا مستمرا ومتأصلا في الشخصية بملاحظة التغيرات في تصرفات الطرف الآخر وسرعة احتوائه, بعكس الخائن باستمرار والذي لا يمكن منع خيانته, مشيرا الى أن الخيانة ليست بالضرورة حسية, فقد تعتبر الزوجة أن انشغال الزوج عنها نوع من الخيانة, وقد يعتبر اشتهاء الزوج لامرأة غير زوجته أو اشتهاء الزوجة لغير زوجها, من دون اقامة العلاقة, خيانة للحياة الزوجية.
وعن علامات الشخصية السيكوباتية التي تميل للخيانة المتكررة يقول: ذلك يتضح في سلوكياتها, لأنها تكون عادة شخصية محبة للكذب والتلاعب وايذاء الآخرين أو تجاهل مشاعرهم, وقد تكون مدمنة لأحد أنواع المخدرات, ويمكن أيضا أن يكون الفشل في عدد من تجارب الزواج السابقة دليلا على هذه الشخصية, خصوصا انه يعتمد على استغلال الآخرين, ويكون في عداء مع المجتمع لكثرة المشكلات التي يتسبب بها, وقد تتفاوت درجة السيكوباتية ويتفاوت معها وضوح خلل الشخصية, كما يمكن أن يخفي السيكوباتي الذكي علامات الخلل في شخصيته خلال فترة الخطوبة, ولهذا لا يتم اكتشافه الا بعد الزواج.
ويمكن بسهولة التعرف على خيانة الشخص غير السيكوباتي بسهولة, حيث تظهر عليه علامات مثل الابتعاد عن المنزل لفترات طويلة أو زيادة الانفاق الفجائي بالمنزل لتعويض شعوره بالذنب, والتوتر الذي ينتهي به في النهاية للاعتراف بالخطأ وطلب السماح من الطرف الآخر واظهار الندم له, موضحا أن طرفي الخيانة يتحملان عبء الخطأ وليس الرجل وحده, بعكس السائد في المجتمع العربي, الذي يلقي باللوم دائما على الرجل, فقد تكون المرأة هي من قام باغواء الرجل, مشيرا الى الشخصية الهستيرية التي تنخدع بالكلام المعسول وتفكر دوما في الجنس, وبالتالي تكون عرضة للوقوع في الخيانة, مرجحا أن تكون الخيانة من بين الصفات السيئة التي قد تورث من الأهل الى الأبناء.
أما عن الحل النفسي للتغلب على الخيانة, فيرى أن يكون الاحتواء والتعرف على الأسباب هو رد الفعل في حالة الاعتراف بها لمنع تكرارها وضمان استمرار الحياة الزوجية, أما في حالة الشعور بفتور في العلاقة بين الطرفين, فيجب أن تكون هناك مصارحة بين الطرفين, وتجديد دائم في الحياة الزوجية.

عيوب المجتمع

يقول الدكتور جمال حماد, أستاذ علم الاجتماع, بجامعة المنوفية, أن المجتمعات العربية تأثرت سلبا بالعولمة, ولم تستفد من الايجابيات, لأنها لم تكن مستعدة لدخول هذا العصر بسبب ارتفاع نسب الأمية, البطالة, الجريمة, الفقر, ما كان له أثره في ظهور كل عيوب المجتمع التي تحولت الى كوارث, مشيرا الى أن نمط الخيانة اختلف في العصر الحالي عن السابق, فقد كان من النادر حدوث الخيانة في المجتمعات الريفية والبسيطة قبل دخول عصر العولمة, أما الآن فمن الصعب العثور على شريك مخلص للحياة الزوجية.
ولم تعد الخيانة تقتصر على المفهوم الحسي بل أصبحت تضم مشاهدة الأفلام الاباحية, الحديث الخارج بين الرجل والمرأة من غير الأزواج, مشاركة أحد الأزواج لتفاصيل الحياة الخاصة مع الجنس الآخر خارج اطار الأسرة, زواج الفتيات المدفوع بالخوف من العنوسة والرغبة في “الستر”, رغم الفارق الكبير في السن وفي العادة يكون زواجا بلا مشاعر تجاه الرجل, وبالتالي يعد أحد أنواع الخيانة المعاصرة لأنه قد يدفع الفتاة للانخراط في علاقات غير مشروعة خارج اطار الزواج بدعوى البحث عما ينقصها في الحياة الزوجية, لتصبح الخيانة في شكلها المعاصر, خيانة جنسية, حسية, عقلية, ونفسية.
أما أبرز تأثيرات الخيانة على المجتمع المعاصر, فيري أنها تمثلت في فقدان الثقة بين أفراده فقدانا تاما, كما أحيت فكرة جرائم الشرف في المجتمعات الريفية البسيطة, مدللا على ذلك بعثور أهل قريته على أحد الشباب مقتولا وجثته ملقاة بجوار احدى الأشجار, في جريمة شرف تحدث لأول مرة في تاريخ هذه القرية, ملمحا لتأصل ثقافة “المسكوت عنه” في المجتمع العربي, ما اوجد ازدواجية في السلوك, ففي الظاهر يدعي المجتمع الفضيلة في حين يخفي قاع المجتمع الكثير من الكوارث والمشكلات الاجتماعية, بسبب الخوف الدائم من الفضيحة لدى غالبية أفراد المجتمع العربي.
عن نتائج الظواهر السلبية في المجتمعات العربية ومنها الخيانة, يؤكد أنها ساهمت في تفتيت المجتمع, وأسست للفرقة بين أفراده فلم يعد هناك تزاور بين الأصدقاء خوفا من امتداد بصر ورغبة الصديق لأهل البيت, بعكس الأجيال الأقدم التي تربى فيها أبناء الأصدقاء معا ما اوجد نسيجا اجتماعيا متماسكا, مشيرا الى أن الحل والاصلاح المجتمعي يبدأ بطرح المشكلة ومواجهتها بطرق مختلفة وحاسمة, وأن تنتهي الخصوصية عند أبواب المنزل ومع أفراد الأسرة, موضحا أنه على المستوى الشخصي يتعمد ترك هاتفة الشخصي في متناول يد أفراد أسرته لتدريبهم على مشاركة الحياة الخاصة داخل الأسرة, ودليلا على عدم وجود ما يخشى اطلاعهم عليه سواء كان خيانة أو غيرها من المنبوذات الاجتماعية. ويطالب حماد الاعلام بأن يكون شريكا أساسيا في الحل عن طريق القاء الضوء على النماذج الايجابية والبعد عن السلبيات, لأن الرجل العربي يميل للخيانة أكثر من المرأة لكونه يبحث عن علاقة استثنائية من زوجة لا تملك أي خبرة أو ثقافة جنسية خارج اطار الزواج, وبالتالي يسعى للحصول على ما ينقصه خارج الاطار المشروع, في حين ترغب المرأة غالبا في شخص يشعرها بالحماية والاحتواء.
ويجب اصلاح منظومة التعليم والثقافة وأن يعطي الآباء الفرصة للأبناء لطرح تساؤلاتهم حول الموضوعات الخاصة والحياة الجنسية, لأن المعلومة في حال عدم توافرها بطريقة سليمة وفي اطار الأسرة والمتخصصين سيبحث الأبناء بالضرورة عن الاجابة بطرق خاطئة ومسيئة غالبا.

أمر مرفوض

يقول الدكتور طاهر الفخراني, مدرس الفقه, جامعة الأزهر: المجتمع الاسلامي قوامه الطهر والعفاف, ولذلك فان الخيانة من المنظور الديني هي فعل الزنا, وهو أمر مرفوض حتى قبل نزول الأديان السماوية, لأنه فعل يرفضه أي مجتمع سوي, مؤكدا أن رد الفعل الواجب اتخاذه حال اكتشاف الخيانة في حال كانت ضعفا أو زلة حدثت لمرة واحدة سواء من الزوج أو الزوجة, يختلف عن الخيانة المستمرة, مشيرا الى أن الآية القرآنية “الزَانِي لَا يَنْكِحُ اِلَا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا اِلَا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ”, لا تنطبق على من ارتكب الفاحشة لمرة واحدة ثم تراجع وتاب, فقد نزلت الآية في النسوة اللواتي امتهنَ الزنا “البغاء” في الجاهلية واعتاد العرب أن يسموهن ب¯ “ذوات الرايات الحمراء”, لتنطبق قياسا في الوقت الحالي على من يعمل بالدعارة رجالا ونساءً.
وأباح الشرع الغفران والمسامحة بين الأزواج في حال كون الخطأ غير متكرر حسب طاقة احتمالهما, فالمسامحة متروكة كليا لصاحب الشأن, ولم يوجب فيها الشرع الانفصال والطلاق, عكس اكتشاف أحد الزوجين لخيانة متكررة ومستمرة من الطرف الآخر, ففي هذه الحالة أوجب الشرع الانفصال تقديسا للحياة الزوجية, واحتراما لحدود الله, فالخيانة أو الفاحشة في حال ارتكابها عرضيا يحق للطرف الآخر في الحياة الزوجية طلب الطلاق أو التفريق حتى في حال عدم وجود شهود على الواقعة, وهو ما يسمى شرعا بالملاعنة, لكنه في نهاية الأمر حق وليس واجبا ويخضع استغلاله لقدرة الزوج أو الزوجة على التغاضي عن الذنب واستكمال الحياة الزوجية من عدمه.
أما عن القواعد الشرعية التي وضعها الدين للحد من شيوع الفاحشة فيوضح أن الاكراه على الفعل يلغي العقوبة شرعا, الا أن العلماء اتفقوا على عدم الاعتداد بالاكراه على ارتكاب الفاحشة تقبيحا لها وحفاظا على نقاء وطهارة المجتمع حتى في أشد المواقف وأحلك الظروف, كما حرم الاسلام النظرة بشهوة سواء من الرجل للمرأة أو العكس, وهي تختلف عن النظرة المتبادلة بين الرجل والمرأة في الحياة اليومية بسبب الزمالة في العمل أو البيع والشراء, كما حرم اختلاء الرجل بالمرأة منعا لتحرك الغريزة ووسوسة الشيطان, موضحا أن الاسلام ساوى في منعه للفاحشة وحدوده العقابية على مرتكبها بين الرجل والمرأة حماية للمجتمع وتماسكه.

شاي بالنعناع

أما مشاعل يوسف مخرجة الفيلم القصير “شاي بالنعناع” الذي يناقش هذه المشكلة, فترى أن الخيانة الزوجية أصبحت منتشرة في المجتمع, لهذا تناولتها في الفيلم من زاوية السكوت وعدم المواجهة بين الأزواج لعرض مشكلاتهم, وهو ما أسميته ب¯ “الخرس الزوجي”, مشيرة الى أن التناول كان دراميا غير مقتبس من قصة واقعية بعينها, لكن وقع الاختيار على هذه المشكلة لظهورها بوضوح في المجتمع وأهميتها.