الدوحة … الغرور القاتل

“قاتل الله الغرور ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله”، هذا المثل العربي ينطبق على السياسة القطرية منذ عقود، وليس في الأزمة الأخيرة التي انتهت إلى قطع العلاقات وإغلاق الحدود البرية والجوية والبحرية بين السعودية والبحرين والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى، وإذا كنا نسأل ماذا استفادت الدوحة من سياستها هذه فإننا لا ننسى ما جرى فيها في العام 1990.
أثناء الغزو العراقي عقدت القمة الخليجية في الدوحة، يومذاك، وكان على جدول أعمالها بند وحيد وهو الاحتلال العراقي، إلا أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وكان يومها وليا للعهد بقي ثلاثة أيام يماطل، مطالبا بحل الخلاف الحدودي القطري والبحريني، ومقدما مسألة يمكن حلها وديا بين دولتين شقيقتين على الغزو العراقي للكويت.
بعد ثلاثة أيام من انتظار القادة الخليجيين في فندق شيراتون – الدوحة، اتصل المغفور له الملك فهد بن عبدالعزيز بالأمير الشيخ خليفة بن حمد وقال له:” هل نحن محبوسون في الفندق؟ تعال واجلب معك ابنك ولي عهدك لننهي الأمر”.
يومها شعر الشيخ خليفة أن الأمر بلغ أعلى درجات التوتر، فحضر إلى الفندق يرافقه ابنه الذي انقلب عليه بعد خمس سنوات، وحاول حبسه عبر مذكرة للإنتربول بتسليمه إلى قطر.
هذه الحادثة دلت منذ ذلك التاريخ على مدى الغرور القطري، وكيف يمكن للدوحة أن تقدم مصالحها الموقتة على الأمور المصيرية لدول “مجلس التعاون”، فهي لم تلتزم بأي من قراراته واتفاقاته ومعاهداته سوى حرية التنقل بالهوية، فيما بقيت متفردة بسياستها الخارجية، أكان بالتدخل بالشؤون الداخلية للدول الأعضاء، ودعم العصابات التخريبية فيها، أو بتحالفها وفتح أراضيها وموانئها للدول المعادية للمجلس، كما هي حالها مع إيران التي تستقوي بها على الأشقاء.
المؤسف حقا أن تتحول الدوحة، وبملء إرادة قيادتها، رأس جسر إعلامي ومالي وحتى لوجستي للعدوان الفارسي على البحرين والمنطقة الشرقية السعودية، إضافة طبعا إلى دعمها للحوثيين، والجماعات الإرهابية العراقية المرتبطة بإيران، فيما الجميع يعرف تفاصيل التدخلات القطرية بالشؤون المصرية، وكيف عاقبت الشعب المصري حين ثار على حكم مكتب الأوغاد “الإخواني” وأسقط دميتهم، فيومذاك، سارعت الدوحة إلى المطالبة باسترداد وديعتها من البنك المركزي، ومصر عزيزة النفس أعادت تلك الوديعة بموقف يدل على غفران الشقيقة الكبيرة هفوات الصغار.
السياسة الانتحارية القطرية ساهمت، أيضا، بتفكيك ليبيا عبر دعم الجماعات الإرهابية، وشاركت الحوثيين وإيران بسفك الدم اليمني، وكذلك في تخريب وتدمير سورية ولبنان.
رغم كل ما حدث طوال السنوات الست الماضية، واستمرار المشاغبات القطرية الضاربة بالمصير المشترك عرض الحائط كانت دول “مجلس التعاون” تسعى إلى حماية الشقيقة الصغيرة بالإبقاء على احتضانها وحل المشكلات بالديبلوماسية واللين حفاظا على مصالح شعبها، غير أن الغرور كان يزيد من خطايا الإدارة في الدوحة إلى حد فاق الاحتمال فكان لا بد من آخر الدواء السياسي وهو العزل الآخذ بالاتساع عربياً وإسلامياً.
بات وأضحاً أن الغرور الانتحاري مستحوذ على الإدارة القطرية منذ عهد الأب المنقلب على والده، وانتقل إلى إدارة الابن المغامر الممعنة بالإساءة إلى شعبها ودفع قطر إلى نادي الدول المارقة لتعيش مع حليفتها إيران العزلة الدولية.
أليس من حق الشعب القطري أن تكون له قيادة رشيدة تزيد من انصهاره ضمن شعوب “مجلس التعاون” بدلا من القطيعة الانتحارية التي تسببت بها الإدارة الحالية؟

أحمد الجارالله