الدولة المتخلفة مختصر مفيد

0 108

أحمد الدواس

الدولة المتخلفة هي التي تنتج وتصدر سلعة واحدة، مثل القطن أو الكاكاو أو حتى النفط، ويكون فيها عدد كبير من السكان، وينخفض فيها دخل الفرد، كما هي الحال في معظم بلدان آسيا وأفريقيا.
هذا تعريف علم الاقتصاد، لكننا نضيف اليها صفات أخرى، مثل عدم التزام الناس بالمواعيد ، وعدم الاصطفاف في الطابور عند المعاملة الحكومية، وعبور الشارع من غير المكان المخصص للعبور، وإلقاء ورقة أو سيجارة من نافذة سيارة في الطريق، وإقصاء الرأي الآخر، والفوضى في الشوارع، فهذه السيارة تعبر أمامك لتسير في الحارة الأخرى، أو تشاهد سيارة قادمة نحوك من الزجاج الخلفي فتكاد تحطمك ثم يتجاوزك سائقها، ولما ترفع يدك محتجاً يرفع يده أيضاً كأنه يلقي باللوم عليك، ويقول لك:” أنت المخطئ”، ولم نشاهد هذه السلوكيات في الدول المتقدمة، ومن هنا يأتي الفرق بينها وبين الدول المتخلفة.
كذلك يسود في هذه الدولة العنف اللفظي، وأحياناً الاعتداء الجسدي، لمجرد ان أحدهم احتل مكان الآخر في موقف للسيارات، وهي الدولة التي” لا يستقيل أحد من المسؤولين فيها أبداً” إن هو أخطأ في عمله، ويظهر فيها النفاق وجحود الفضل واختفاء القيم الإنسانية، وهي التي” لا تملك ثقافة الشكر والاعتذار”، فلم يعد أحد فيها يسمع كلمة ” شكراً…عفواً “، وفيها “ضاعت القيم فالأمين أهبل والنصاب ذكي”، وواقع البلد ينطبق عليه المفهوم الاقتصادي” العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة” ومعناها باختصار ان وجود أشخاص غير أكفاء في قيادة الشركات والمؤسسات يجعل الأشخاص الجيدين يتركون العمل فيها بعد شعورهم بالإحباط، وهكذا فالسيئ يطرد الجيد، لذلك ساد الظلم وتعطلت مصالح المواطنين.
ومن أوصافها أيضاً، وجود بعض المسؤولين فيها وأصحاب المناصب المهمة يحملون شهادات مضروبة، أي غير معترف بها، وعليه فلا غرو ان تتدهور حال البلد، وهي الدولة التي فكرت بعد عناء طويل بالاستعانة بالبنك الدولي، أو المؤسسات الدولية، لعلها تجد حلاً لمشكلاتها الداخلية، رغم ان الحل واضح، وهو ان تهتم كثيراً بالعنصر البشري، أي برفع كفاءة المواطن، وتطور سلوكه الى الأفضل من خلال التعليم، مثلاً، حتى يكتسب مهارات وأفكارا جيدة تفيده وتنفع وطنه، لكن المسؤولين فيها أبوا إلا ان يتركوا معالجة هذا العنصر، واهتموا بالطرق والمباني، أي اهتموا بالطابوق والإسمنت.
من وجهة نظرهم فان “الطابوق والإسمنت هو رمز للتنمية وعنصر إبداع”، وسيتقدم بلدهم ويصبح في مصاف الدول المتقدمة اذا هو اهتم بإنشاء الشوارع والمجمعات التجارية، وببناء الأبراج العالية، مع أنه أهمل تربية وتطوير أفكار المواطنين.
وبدلاً من تقييد عدد الوافدين،فتحت هذه الدولة الباب أمام جيوش الوافدين فازدحمت الطرق بسياراتهم، وارتفعت أسعار الإيجارات، فزادت التكاليف على المواطن الشاب المتزوج حديثاً، أو قد لا يجد سكناً بالإيجار المناسب، وهذا أمر ينبغي على تلك الدولة معالجته حتى لا تستفحل المشكلات الاجتماعية.
أما مطار البلد فلم تستعن الحكومة بشركات أوروبية أو غربية في إنشائه لجودتها وجمال التصميم، بل اختارت أرخص مناقصة حتى لو تقدم بعطاء المناقصة بلد متخلف مثله، أو اختارت مقاولا محليا إذا سقط المطر تطاير الحصى من أسفلت الشوارع، على سبيل المثال.
وعلى المستوى الرياضي، وبعد ان كانت هذه الدولة في مركز رياضي متقدم إذ اشتركت في مباراة العالم في كرة القدم ضد بريطانيا في مدريد سنة 1982،وهو وفق رأي الحكام هزيمة لبريطانيا إذ استطاعت دولة من العالم الثالث الوقوف وتحدي مرمى “بريطانيا العظمى”، انحدر المستوى الرياضي فيها بحيث يستطيع فريق بوركينا فاسو، أو المالديف، أو حتى جيبوتي، هزيمتها في كرة القدم.
في واقع الحال، نقول: ان البلد المتخلف المقصود كان بإمكانه ان يكون في مصاف الدول المتقدمة، فهو صغير يمكن إدارته جيداً، وهو شبه مستقر، لكن لوجود مفهوم العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، انتشر الفساد فيه وخربت الذمم مع تراخي سلطة الدولة، هذه الدولة هي بلدنا الكويت، مع الأسف، وكل ما يحتاجه هو رجال بضمائر حية، وحكومة تبني المواطن الصالح، وتعديل كل الأوضاع السلبية التي ذكرناها بفرض القوانين الصارمة، مثلما تفعل الدول المتقدمة، وان يأخذ بأفضل ما لدى الأمم المعاصرة من تجارب ودراسات مفيدة.

سفير كويتي سابق

You might also like