الديمقراطية الكويتية… اسمعْ تَفرحْ جرِّبْ تحزَنْ

0 388

تبقى الديمقراطية شعاراً نظرياً غير قابل للتطبيق، إذ شهدت طوال 2500 عام تبدلا في المفهوم، لأن تغييرا جوهريا طرأ على هذا الأسلوب من الحكم، الذي بدأ من اثينا وانتشر في الولايات اليونانية القديمة، ومنها انتقل الى العالم، حتى أصبح في دول كثيرة مسخا لا علاقة له بالجوهر الاول لنظام الحكم.
اليوم تحكم الأكثرية، حتى لو كانت بفارق بسيط الشعب كله، وتلغي رؤى وحقوق الأقلية، أي لو كانت هناك أكثرية 51 في المئة، مقابل 49 في المئة معارضة، فإن الأولى تهيمن على الثانية، وتفرض نمطها السياسي والاقتصادي في المجتمع، ما يؤدي الى الغبن والنقمة، وهذا ما حدث أخيرا في بريطانيا، حيث أيد 51 في المئة خروجها من الاتحاد الأوروبي، نتيجة لدعاية حزبية جيدة التسويق.
الانسياق خلف الشعارات الرنانة كان السبب في هذه النتيجة التي تعاني من مفاعيلها المملكة المتحدة، فهي لم تصل بعد الى خطة واضحة للخروج من الاتحاد الأوروبي، فيما هناك نحو 1200 قانون يجب ان تخضع للتعديل بعد خروجها من هذه المنظومة، إضافة الى تأثيرات سلبية على اقتصادها، وعلاقاتها الاقليمية والدولية، وجراء كل هذا تعيش بلبلة سياسية واقتصادية كبيرة حاليا.
هذه البلبلة، وإن اختلفت الأسباب، تعيشها الكويت، منذ زمن، وهي رغم مرور 57 عاما على مؤسساتها الدستورية الديمقراطية لا تزال تعاني من خلل كبير في حياتها التشريعية، حيث تخضع القوانين للرغبات الحزبية المستترة بكتل نيابية، أو مصالح انتخابية شخصية، أو سطوة متنفذين، ما أدى الى تعطل الكثير من القوانين والمشاريع التنموية، فيما الدول المجاورة تسارع الخطى بتطوير أدواتها القانونية والاستثمارية بما يكفل لها زيادة مداخيلها غير النفطية.
في الكويت لا مشاريع تقر، واذا أقرت فلا تنفذ، وإذا نفذت فمتأخرة عن مواعيدها، والمدينة الجامعية في الشدادية أوضح الأمثلة على ذلك، لأن كل شيء يبقى مرهونا بموافقة الاخوة النواب، فيما غالبيتهم لا تبحث عن المصلحة العامة، انما عن حصتها. هكذا جرى في مشروع الـ”داو” وحقول الشمال، وبينما هناك دول بدأت تنفيذ مشاريع بحجم دول، لا نزال نحن ومنذ 25 عاما نتحدث عن مدينة الحرير التي لم ير أي مشروع فيها النور حتى يومنا هذا، وتحقيق رؤية 2035 التي تحولت شعاراً بينما الواقع انها يجب ان تكون خياراً مصيرياً للكويت كلها.
كل هذا بسبب العوار في العلاقة بين المجلس والحكومة، وهو ما أثبتته التجربة طوال 27 عاما، أي منذ عودة الحياة البرلمانية في العام 1992، فقد تشكلت عشر حكومات، فيما جرى نحو 13 انتخاباً نيابيا، وبعض مجالس الأمة لم يكمل ثلاثة أشهر وصدر أمر بحله، بسبب الممارسات النيابية، لأن كل واحد منهم يحسب نفسه حاكماً بأمره.
وهذا ما ترجم بالزحف الممنهج على صلاحيات السلطات الاخرى، وآخرها محاولة التعدي على القضاء وتقويض سلطته المستقلة، وهو ما يثير علامات استفهام عدة حول الهدف النهائي الذي تسعى اليه مجموعة نيابية تحسب نفسها أنها قادرة على تطويع البلاد لمصلحتها، ولا أحد يستطيع محاسبتها.
في كل التقارير الاقتصادية تحل الكويت الاخيرة في جذب الاستثمارات، فيما نرى المستثمرين الأجانب يوظفون أموالهم في السعودية والامارات والبحرين وسلطنة عمان، وقطر، وتغص فنادق تلك الدول بالسياح، بينما في الكويت كل القوانين طاردة للمستثمر، سواء أكان كويتياً أو غير كويتي، بل هناك هجرة رؤوس أموال الى الخارج.
كل هذا بسبب غياب الرؤية الصحيحة لعملية التطوير، لأن الحكومة غير قادرة على ممارسة عملها بجدية ومسؤولية، فيما النواب يغنون على ليلاهم، أو ليلى المتنفذين التابعين لهم، ولهذا تبقى البيانات الحكومية مزدحمة بمفردات كـ “سوف”، والوعود الخلبية، ولا تتعدى الحبر الذي كتبت فيه، والاسوأ أن كل حكومة تأتي تنسخ برنامج سابقتها، وتبقى الكويت تدور في حلقة مفرغة.
اذا كانت هذه هي الديمقراطية بمعناها الحقيقي، فبئس هكذا ديمقراطية تتسبب في خراب بلد، أما اذا كانت هي الطريق الامثل لتطور المجتمع، فإننا نقولها بكل صراحة: نحن بحاجة إلى ثورة تطوير قوانين، وفك التشابك بين الوزارات التي يبدو انها تعيش تنافسا في التعطيل، فهذه ترخّص وتلك تمنع، حتى أصبحنا آخر الناس في كل شيء، بل إن هناك من يتفاخر ان الكويت آخر من يقدم على هذه الخطوة، أو تلك، بينما المطلوب أن نكون أول الناس في الريادة… هذا إذا بقي لدينا من يؤمن بالريادة، وسط مستنقع الانعزال والتقوقع.
فأي ديمقراطية تلك التي يصح فيها المثل: اسمع تفرح… جرب تحزن؟

أحمد الجارالله

You might also like