الدين لله والوطن للجميع

الدكتور سفيان عباس التكريتي

د. سفيان عباس التكريتي

حين تكونت الأديان السماوية قبل آلاف السنين، ونشأت بأمر الهي، دعت جميعها للتوحيد وترك الشرك واستقامة الإنسان وعبادة الخالق سبحانه.
كان هذا هدفها الأسمى، إذن تلقي كل الأديان بوحدة الهدف ضمن مراحل زمنية ومكانية معينة وحسب حاجة العباد إلى الكتب المنزلة ومضت في مسيرتها مع تعاقب الأزمان حتى يومنا هذا منذ ملايين السنين، ونستطيع القول انها حققت أهدافها المأمورة من رب العزة جل وعلا عن طريق الأنبياء المصطافين، فالأديان الرئيسية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلامية، وكتبها المنزلة، التوراة، الإنجيل والقرآن، تتميز بطابع تكليفي موحد، وهو التوحيد للواحد الأحد مع اختلاف الزمان والمكان لكل واحد منها.
ومن الملاحظ أن الأرض العربية كانت حاضنة لجميع الأديان السماوية، وهذا يعد تشريفاً بالتكليف الإلهي للإنسان العربي حيث انطلقت منها دعوات التبشير إلى أرجاء المعمورة، وتحمل العرب وزر هذا التخصيص وحسن الاختيار وأعباء المسؤولية، وقد افلحوا بما كلفوا به من شرف عال المآب.
فأن الخالق سبحانه لم يميز دينا على دين ولا نبيا على نبي فالجميع سواسية بطبيعة المفاهيم العقائدية التوحيدية والموحدة.
ان دلالات الاختيار للمنطقة العربية ورجالها تدل على عظمة الخالق سبحانه حيث يتميز الإنسان العربي بالسمات التي ترقى الى هذه المهمات الجليلة فكان لها عبر المسيرة الظافرة للأديان السماوية، وفضله على الأنام كبير وعظيم.
فانتشرت العقائد الدينية في محيط الأرض، وباتوا بالمليارات بالتنوع الذي أمر به الله سبحانه، فلا توجد دولة يسودها دين واحد دون غيره، بل كان الخليط والاختلاط والتصاهر هو الطابع الشائع ضمن التجانس البشري، إنها إرادة رب العالمين التي لا تعلو عليها إرادة من رحم هذه التشكيلية الربانية، صار لزاما الالتزام بمبدأ الدين لله والوطن للجميع، وهو معيار التفاضل ليس في الدنيا، بل يوم الحساب الأكبر يوم لا ينفع مال ولا بنون، بلا عداء أو ضغائن أو فتن بين العباد المؤمنين الموحدين.
فالإسلام ونبيه الأكرم كان خاتم الأنبياء والرسل، انتهى عنده تعاقب الأديان وطرح كتابه الإلهي للبشر دون إكراه يدعو الى التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وان أكرم الناس عند الله اتقاهم في العبادة، فلا تفضيل ومفاضلة لبشر على آخر إلا بالتقوى، لا إكراه بالدين، وهكذا مع بقية الأديان، فلكل دين صار له اتباع وموحدين تعدادهم بالمليارات والملايين.
هنا أسئلة عدة طرحت نفسها؟
إذا كانت أرضية الأديان في بوتقة واحدة من حيث الهدف والتوحيد والرسالة والرب الواحد لماذا التآمر والتكذيب وعدم التصديق والتشكيك ما زال قائما ؟ فهل هو عداء مستحكم بين الأديان؟ فالبشرية بعد هذه المدة الطويلة على ولادة الأديان السماوية عليها أن تدرك إن الإيمان عقلي وروحي يأتي ويتجذر ويدخل في الأعماق أيا كان المبشر ويصبح طريقا قويما ملؤه مثل وقيم وخزائن أخلاقية رسمتها له مقومات الإعجاز ومنحته أسباب البقاء والديمومة والتعاقب اللامتناهي.
إذن الدين ليس بدعة سرعان ما تتبخر وتنتهي، ولابد ان يكون سرا إلهيا يرافق مسيرته وتجاوزه إرهاصات المشككين والدساسين وترسيخ قواعده وتجسيد ركائزه ودعائمه التي تقوى ولا تلين ماضية بلا تراجع جيل بعد جيل، يتحدى عاتيات الزمن بصبر وجلد، وصلابة عزم لا يلين أو يتهاوى أو يترهل رغم محاولات بعض رجالات الأديان الأخرى الذين إيمانهم مضمحل غير مستوفي معايير الإيمان الراسخ ومهلهل، وإنهم بالجملة غير موحدين ولا مؤمنين إيمانا راسخا يحاولون دس الضغائن والعداء للدين الإسلامي، وإعلان حالة الحرب عليه كدين سماوي، وعلى معتنقيه بالإرادة الربانية منذ انبثاقه حتى يومنا هذا، بعد ان بلغ تعداده مليارا وستمئة مليون موحد لله سبحانه، أليس دياناتكم موحدة أيضا، أم أنها من عبدت النار والشيطان؟ وهل الدين الإسلامي انحرف عن هذا المبدأ في التوحيد، سؤال محوري لدعاة التوحيد من الديانات السماوية الأخرى، أليس مباركة رب العزة سبحانه بتكاثر ذرية النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم) خلال ألف وأربعمئة سنة ونيف الى المليار وستمئة مليون من المؤمنين الصالحين فيه إعجاز وسر رباني رغم كل وسائل وأساليب التشكيك والعداء والتحالفات المريبة بين الأديان لغرض هدم هذا الدين، إلا انه صامد وماض يحدو الى أمام غير آبه بصغائر الأمور والمؤامرات وتكالب الأعداء وهلوستهم وهستيريتهم الجوفاء؟
انظروا الى معتنقي الديانة اليهودية التي مضى عليها أكثر من خمسة آلاف سنة، ولم يتجاوز تعدادهم السبعة عشر مليونا حتى اليوم أليست مفارقة كبيرة بين الاثنين لم ولن نجد لها تفسيراً وضعياً مطلقا، لابد وان يأتينا رسول إلهي لكي يعطي لنا الجواب المنطقي والسر الغيبي ولو مع استحالة إن يأتي رسول آخر لان الدين الإسلامي كان خاتما نهائيا لهذه المسيرة الإلهية الاعجازية العظيمة؟ فالوطن المقصود في وحدة موضوعنا هو الكون كله بقاراته الخمس بجميع إنسانيته وأنامه الموحدين؟ نعم الدين لله والوطن الإنساني للجميع؟ ما كان كونفوشيوس وليس معه كتاب رباني مأمور بل كان رجلا صالحا استطاع بفلسفته ان يكون له امة موحدة لتعاليمه بلغ عديدها أكثر من ملياري إنسان حيث ظهر بألف وخمسمئة قبل الميلاد، أي بعد الديانة اليهودية بألفي سنة؟ أليست هذه مفارقة أخرى في مسيرة الأديان؟
نحن لا نريد أن نقلب مواجع العهود العتيقة ولا تأجيج عناصر النزاع المستديم بين الأديان لكن أمانة البيان تحتم علينا أظهار الحقائق وتمحيصها حتى وان كانت محصنة بالتنزيل الإلهي المانعة من الخوض في أعماقها وتفاصيلها وأبعادها، فالاستحالة الربانية هي الاستحالة غير قابلة لطرق أبوابها أصلا، ومانعة بالفروض والموانع المقررة من رب العزة سبحانه، لكننا تبارينا بظواهرها البائنة والميسورة في منظار عقولنا المحدودة، وها نحن أفلحنا في تشخيصنا وتصويبنا وجمعنا داخل واحتنا وحظيرتنا التنافسية المشروعة بلا قيود ووصلنا ان الدين له رب يرعاه بصالح أعمال معتنقيه المؤمنين من الأوفياء على عهدهم الإيماني.
لم اسمع يوما، ولم أقرأ في بطون كتب التاريخ الوسيط أو الحديث إن احد المسلمين مس الديانة اليهودية بموبقات العبارات والألفاظ أبدا، لسبب بسيط أنها وردت في دستوره الإلهي، القرآن الكريم، هي والديانة المسيحية أيضا، وباتت من المقدسات المحرمات في صلب إيمانه الأزلي، فكان الأجدر بالقيمين على الأديان من رجال الدين ان يلجأوا الى البدائل الحاضنة للتعايش السلمي ضمن الوطن الكوني الواحد، ويتركوا موضوع الأديان لله سبحانه، فلا غالب لأمره إلا هو الواحد الأحد الجبار العظيم القادر على كل شيء قدير، فإن صراع الأديان فيه إثم كبير على الجميع.
كيف لك ان تحارب دينا سماويا منزلا بكتاب موقوت، وكيف لرجال الدين المعنيين مباشرة بالعقائد الدينية ان يجعلوا من الأديان السماوية ساحة حرب دموية بين العباد؟ هل وردت نصوص دالة عما تفعلون؟ بعد ان مرينا جميعا بهرطقات رجال الدين بات علينا نحن الشعوب والأمم البحث عن البدائل بدلا عن سماسرة الأديان وتجار حروبها الأفاقين؟

أكاديمي عراقي

Print Friendly