مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (24)

الذنوب والمعاصي والغفلة واللغو أمور تصرف عن التدبر مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (24)

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يذكر الدكتور عبد الواسع محمد غالب في كتابه “تدبر القرآن الكريم مفهومه وأهميته ووسائله وثماره” أن من جملة الامور التي تصرف المسلم عن تدبر القرآن الكريم، كثرة المعاصي، فكلها أضرار في الدين والدنيا، وهي من أكبر أسباب الطبع على القلب، قال تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، (سورة المطففين الآية: 14)، قال الحسن، ومجاهد: “الران: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب”، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، (سورة الحج الآية: 46)، قال السعدي:” أي: هذا العمى الضار في الدين، عمى القلب عن الحق، حتى لا يشاهده كما لا يشاهد الأعمى المرئيات”.
وصاحب القلب المريض بالمعاصي أبعد الناس عن تدبر القرآن؛ لأنه حجب عن طريق العلم وهي التقوى قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)، (سورة البقرة الآية: 282)، فالتدبر في كتاب الله وتفهمه علم من الله عز وجل، ولا ينال العلم بمعصية الله؛ لأن حقيقة العلم نور يقذفه الله في القلب، والذنوب والمعاصي سبب الحرمان من هذا العلم. وقال الزركشي: “واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، وفي قلبه بدعة، أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر، أو هوى، أو حب الدنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان”.
ويؤكد الدكتور خالد بن عثمان السبت في كتاب “الخلاصة في تدبر القرآن الكريم”، أنه ينبغي على المسلم أن يتخلى “عن موانع الفهم؛ ومن ذلك أن يكون مُصِّرا على ذنب، أو مُتَّصِفًا بكِبْر، أو مبتلي بهوى مُطاع، فإن ذلك سبب ظُلْمَة القلب وصَدَئِه؛ فالقلب مِثْل المرآة، والشهوات مِثْل الصَّدَأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل جلاء المرآة”. قال بعض السلف: “أذنبت ذنبًا؛ فحُرِمت فهم القرآن”. وقد تكون بعض الذنوب أبلغَ تأثيرًا في القلب من بعض؛ كالغِنَاء؛ فإنه سَمَاع أهل الشهوات المُحَرَّمة، وكثير منهم يستعيض به عن سماع القرآن، والواقع “أنه يُلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغِنَاء لا يجتمعان في القلب أبدًا؛ لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعِفَّة ومُجانَبة شهوات النفوس وأسباب الغيّ”.

الغفلة
يقول الدكتور ناصر العمر في كتاب “عدم تدبر القرآن”: أن من صوارف التدبر الغفلة عن سماع القرآن ، قال تعالى:(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ)، (سورة الأنبياء الآيات: 1-3)، فلو تأملنا الآيات لوجدنا أن أعظم مانع من تدبر القرآن هو الغفلة ، فالقلب الغافل بسبب اللهو والانشغال بالدنيا لا يتدبر، فصاحب هذا القلب يستمع القرآن بأذنه، ولا يصل إلى قلبه؛ لأن حضور القلب وصفاءه يجعل صاحبه يرى معاني القرآن بوضوح، ويحيا بها عملا وسلوكا ودعوة وتربية.
وأيضا من صوارف التدبر الحسد، والحقد، والرياء، وحب الظهور، وسوء الظن، والكبر، والعجب، والتكبر عن قبول الحق، والإصغاء إليه، لقوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، (سورة الأعراف الآية: 146)، فيجب على الإنسان أن يبتعد عن هذه الأمراض؛ لأنها تمنع القلب من تدبر القرآن، كما يجب عليه أن يبتعد عن ظلم الآخرين، والوقوع في الحرام، وأن يكون ماله حلالا حتى يحقِّق التدبر، وأن يكون صادقا مع الله بحيث يرزقه الله التدبر والتأمل ، الأمر الذي يزيد في إيمانه ويقينه، ويحقق له السعادة والنجاح والفلاح والرضا.
إضافة إلي أن الابتعاد عن مجالس اللغو أدعى لتدبر القرآن، ولهذا لما أدرك المشركون خطورة القرآن وأثره على الناس، قالوا كما أخبر عنهم العليم الخبير: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَ?ذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، (سورة فصلت الآية: 26)، قال ابن كثير: ” قال مجاهد: (وَالْغَوْا فِيهِ) يعني: بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن قريش تفعله، وقال الضحاك، عن ابن عباس: (وَالْغَوْا فِيهِ) عيبوه، وقال قتادة: “اجحدوا به، وأنكروه وعادوه، (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن.
إن مما يصرف كثيرا من المسلمين عن تدبر القرآن، والتفكر فيه، وتذكر ما فيه من المعاني العظيمة؛ اعتقادهم صعوبة فهم القرآن، وهذا خطأ في مفهوم تدبر القرآن، وانصراف عن الغاية التي من أجلها أنزل ، فالقرآن كتاب تربية وتعليم، وكتاب هداية وبصائر لكل الناس، كتاب هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين، كتابٌ قد يسَّر الله تعالى فهمه وتدبره، كما قال تعالى : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، (سورة القمر الآية: 17).
قال ابن هبيرة: “ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان أنا لا أتكلم في القرآن تورعا”، وقال الشاطبي : “فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء، وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله، فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب، ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى”، إن الصحيح والحق في هذه المسألة: أن القرآن معظمه واضح، وبين وظاهر لكل الناس، كما قال ابن عباس رضي الله عنه: “التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله”، ومعظم القرآن من القسمين الأولين.