الرسائل الموجهة إلكترونياً… مضيعة للوقت وتسطيح للمعتقدات ظاهرة قديمة انتعشت في عصر الإنترنت عبر مواقع التواصل

0 48

القاهرة – محمود خليل:

«أرسلها لعشرة اشخاص وانتظر تحقيق حلمك».
«أمنتك بالله أن ترسلها لعشرين شخص عندك حتى لو كنت أنا منهم ولن تمر ساعة الا وتحققت أمنيتك».
«أرجو ارسالها إلى 40 مؤمنًا حتى يقضي الله حاجتك».
«اللي مش هيدوس لايك يعرف أن الشيطان هو اللي منعه».
«لو دوست لايك تبقي مؤمن ولو متدوستش تبقي كافر».
«لا اله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين، لم يَدْعُ بها مسلم الا استجاب الله له، أرسلها إلى من عندك وسَتَسْمَع خبراً جيِّداً الليلة – ان شاء الله – لا تَمْسَحْها، انها أمانة في عُنقك إلى يوم القيامة».
«رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم ويذكر أمورًا ويطالب بنشرها إلى عشرة أشخاص وأنه سيري بعد أربعة أيام أن فعل أمرًا يسرًا، وان لم يفعل رأي أمورًا سيئة».
هذه بعض نماذج مما تمتلئ به رسائل مواقع التواصل الاجتماعي، «فيس بوك»، «الواتس»، «تويتر».
عن سبب انتشار تلك الرسائل، تأثيرها على عبادات المسلم المفروضة التي تحولت إلى «عبادة اليكترونية»، يمارسها عبر الأنترنت، مكتفيا بها عن الصلاة، الصوم، ذكر الله، متواكلا على انه اذا أرسل تلك العبارات أو الآيات، بعدها ستتحقق كل أمانيه، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
يري الدكتور «سيد نافع سليمان»، الكاتب والباحث في الاعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، أن مروجي هذه الرسائل، غالبا ما يتسمون بالسطحية والسذاجة، لأنهم يفهمون قوله صلى الله عليه وسلم، «بلغوا عني ولو آية»، بشكل خاطئ، والصواب أن يكون بتداول الأدعية، الأحاديث، التفاسير، بشكل شخصي وراقي يتسم بالخصوصية في اطار نشر العلم والنصيحة. أما من يدعي انه اذا أرسله إلى عدد من الناس فسوف تتحقق أمانيه فهذا ضرب من الكهانة، فلا دليل شرعي على أن من تلقي الرسالة وأرسلها لغيره سيسمع خبرا سعيدا، فقد يسمع خبرا سيئا، أو لا يسمع شيئا، لذا فمن يرسل تلك الرسائل يقع في جهالة، كمن يفتري على النبي صلى الله عليه وسلم، بحجة نشر الخير وترغيب الناس فيه، فيقع في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يتابع: ان هؤلاء الناس يسيئون إلى الاسلام، لما لذلك من تأثير سلبي عليه وعلى عقيدة الناس التي تقرأها وترسلها، من ثم لا تتحقق أمانيهم، فتهتز عقيدتهم رغم أنه لا يوجد دليل على أن ارسال تلك الرسائل من الاسلام، أو دليل على أن من يرسلها سوف تتحقق أمانيه أو يسمع خبرا سعيدا. لافتا إلى أن هذه الرسائل تختزل الاسلام في كلمات يرددها عدد من الناس، ليس المقصود منها ذكر الله، بقدر ما هي ترديد واعادة ارسال للغير، انتظارا لجائزة وهمية، فمن أرسلها لا يثاب عليها، ومن أطاع وصدق لن يثاب على انه أرسلها لغيره، لأنها ترديد لأكاذيب، من يردد الأكاذيب والخرافات، يعاقبه الله تعالى يوم القيامة. لذا فعلى كل من ترسل له هذه الرسائل أن لا ينشرها ولا يرسلها لغيره بل يتجاهلها تماما، أنها ترسل في المرة الأولى إلى عشرة أشخاص، كل شخص يرسلها إلى عشرة، هكذا، حتى تصل إلى آلاف أو ملايين، هذا عبث، مضيعة للوقت، الهاء للمسلم عن أداء الصلاة، قراءة القرآن الكريم، وغيرها من العبادات.
يضيف: أما من يقول بأن اليهود من يرسلها لشغل المسلمين عن الاسلام فهذه أمور يصعب اثباتها، رغم انها غير مستبعدة، رغم ان البعض ممن يتصدرون الخطاب والفكر الديني الآن، أخطر على الاسلام من اليهود والنصاري، أما طلب المسيحيين من أطفالهم اغماض أعينهم، ليحقق المسيح، عليه السلام، أمانيهم، مثل قطعة شيكولاتة أو هدية ما، فهل اذا طلبوا منه أن يكونوا من الأوائل ستتحقق أمانيهم دون جهد ومذاكرة ؟،

أيام الامتحانات
تقول الدكتورة هالة الجبالي، مدربة التنمية البشرية، الحاصلة على الدكتوراه في علم النفس التربوي في الاعلام: هذه الرسائل كانت موجودة قبل الأنترنت، فالبعض كان يوزع على المسلمين ورقة تطلبهم بنسخها عشرات المرات ثم توزيعها على آخرين، يطالبونهم بالتالي بنسخها عشرات النسخ حتى يلبي الدعاء، فينجح الطالب في الامتحانات، يشفي المريض، يسمع خبرا سعيدا، إلى غير ذلك، مع الأخذ في الحسبان أن هذه الرسائل كانت تظهر في أيام الامتحانات، ساعتها يترك الطالب مذاكرته لينسخ تلك الورقة ثم يوزعها، معتمدا على انه سينجح بتلك الطريقة، بالتالي ينشغل عن تحصيل المنهج ومراجعة دروسه، تكون النتيجة رسوب الطالب أو حصوله على درجة ضعيفة.
تضيف: بالطبع تؤثر تلك الرسائل على من يصدقها ويعتقد فيها، فاذا لم يأت الفرج، لم تتحقق أمانيه، لم يستجب لدعائه، يتشكك في دينه، في آيات القرآن والأحاديث الصحيحة، دون أن يعرف أن كل ما فعله خرافة وليس من الدين، بل أكاذيب يبثها أعداء الاسلام بين المسلمين. لذا على من تصله تلك الرسائل أن لا يعيرها اهتماما، بل يحذفها فورا فلم يثبت يوما أن الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر أو قام بمثل هذه الأفعال، خصوصاً أن بعض تلك الرسائل تكون كاذبة وليست من الدين، بالتالي يقع المسلم في الخطأ، بل التشكيك في كلام الله عز وجل وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن من يقرأ هذه الرسائل غالبا يكون قليل الثقافة الدينية، فلا يدقق فيها ولا يراجعها.
وللأسف من يقرأ تلك الرسائل لا يطابقها بالقرآن الكريم ولا الأحاديث الصحيحة، رغم أن البعض يغضب كثيرا اذا نطق أو كتب أحد ماركة حذاء، تي شيرت، سيارة، موبايل خطأ، أو نطق اسم لاعب أو ممثل أجنبي بطريقة خاطئة، لكنه لا يحاسب نفسه ان قرأ القرآن الكريم خطأ أو لحن فيه، بجانب عدم تحققه من الأحاديث الشريفة التي يقرأها أو يرسلها.

الترغيب والترهيب
يوضح الدكتور خالد السيد غانم، مدير الاعلام بوزارة الأوقاف المصرية، أستاذ مقارنة الأديان، جامعة نور مبارك سابقا، أن تلك الرسائل تنقسم إلى نوعين، رسالة تذكير وتحبيب أو ترهيب، قد تكون جامعة بين الترغيب والترهيب، بالتالي تدخل في نطاق العمل الذي يثاب عليه الانسان، من باب التبليغ عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم، «بلغوا عني ولو آية»، «الدال على الخير كفاعله».
أما الثانية فتتعلق بطلب أو رجاء في صورة أمر، هذه تنقسم إلى نوعين، رسالة طلب لفعل يترتب عليه أجر، كأن يقول من قال كذا وكذا ومن فعل كذا وكذا أخذ مليون حسنة أو أخذ أجر كذا، هذا في أكثره من آثار السابقين بلا سند لها. أما الثانية فتكون رسالة طلب يترتب على فعله حدوث شيء في المستقبل، كأن يقول أرسل هذه الرسالة، من أرسلها إلى عشرة أعطاه الله كذا، من لم يرسلها عاقبه الله تعالى بكذا، يمكن تحليل مضمون هذه الرسالة بأن الزام الانسان بشيء في الدين لم يلزمه الله ولا رسوله به مناقض للشريعة الاسلامية، ولا يجوز الزام الناس بما ليس بلازم عليهم، لا يجوز أن نرسلها أو نطلبها، مثل عبارة «أمانة في العنق» أو ما شابه؛ لأن هذا من باب التدخل في الالزام بالفعل أو فرض شيء لم يفرضه الله تعالى، لذلك قال الامام القرطبي» ليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله الا بكتاب أو سنة أو اجماع».
يضيف: كما أن القسم لا يقع بمجرد قراءته أو رؤية المكتوب، لا يلزم من قرأه شيئا مما قرأ؛ لأن اليمين يحتاج إلى لفظ ونية منعقدة، لقول الله تعالى، «لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ اِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ اِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». كذلك قوله سبحانه وتعالى، «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ».
تلك الرسائل مرتبطة بشيء مستقبلي، والمستقبل يعلمه الله تعالى وحده، فالغيب مما استأثره الله تعالى بعلمه، أما تعليق الآمال على فعل صغير، مثل، طلب الفعل الذي في الرسالة فانه ضرب من الخيال، الختل، عودة للبطالة، عدم العمل، ارتكان إلى التواكل، بينما ينهي الاسلام عن كل هذا، كذا ارتباط العقل بحدوث ضرر للانسان نتيجة عدم الفعل فانه نوع من الختل العقلي لأن كل شيء بقدر، فمن متطلّبات الايمان بالله تعالى أن يؤمن المسلم بالقضاء والقدر، فلا يكتمل ايمان المسلم ما لم يؤمن به خيره وشره. أما فيما يتعلق بمصدر هذه الرسائل، فلا يمكن الجزم بأصلها، لكن التبعة والخطأ يتحمله من يروج وينشر بوعي أو بدون وعي، هذا يدعونا للتثبت قبل النشر والنظر في كل رسالة تصلنا، وما يترتب عليها، اعمالا لقاعدة فقه المآلات والنظر لمصير القول أو الفعل، لذلك قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، « حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، كما يجب على المسلم أن يعرف أن كل ما يكتبه، انما له أو عليه، لقول الله تعالى، «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ اِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».

You might also like