الرقابة بين آمال المبدع واشتراطات الواقع … زيادة في الممنوعات أولى ندوات رابطة الأدباء شارك فيها العواش والرويعي والبصيص والياسين

0

كتبت – ايناس عوض :
الأصل في كل الأعمال الإبداعية ،وخصوصاً الأدبية منها أن تكون مجازة ،أما المنع فهو استثناء يخضع لضوابط وشروط بعينها في اطارمبدأ احترام الرأي والرأي الآخر الذي يجب أن يقترن هو أيضاً بمشاركة فاعلة من مؤسسات وهيئات المجتمع المدني في وضع وتعديل القوانين التي تتنافى مع حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور الكويتي، كان ذلك أهم ماخلص اليه المشاركين في الندوة الجماهيرية التي نظمتها رابطة الأدباء الكويتيين تحت عنوان ” الرقابة بين آمال المبدع واشتراطات الواقع” وهم الوكيل المساعد لقطاع المطبوعات في وزارة الاعلام محمد العواش، وعضو مجلس الأمة عودة الرويعي، والمحامي الدكتور نواف الياسين، والروائي عبد الله البصيص .
استهلت الندوة بكلمة ألقاها عريف الأمسية ومدير الجلسة الكاتب فهد القعود رحب من خلالها بالحضور ، وعبر عن سعادته البالغة باختيار الندوة لافتتاح وتدشين الموسم الثقافي الجديد لرابطة الأدباء ، مشيراً الى انه لايغيب عن المهتمين بالشأن الثقافي قضية الرقابة على المطبوعات ومنع الكتب تلك المستمرة منذ مدة ليست بالقصيرة، ووسط بروز هذه القضية وتناولها في وسائل التواصل الاجتماعي مع اقتراب معرض الكويت الدولي للكتاب، فإنه ليس بجديد أن تكون رابطة الأدباء قريبة من هموم أعضائها، وتطلعات مبدعيها، ولا يغيب عنها أن تتخذ تصرفاً مسؤولاً حيال ذلك، وبذلك كانت هذه الندوة تلك التي تجمع وجهات نظر مختلفة وأصواتاً تنطلق من مسؤولياتها القانونية والاجتماعية والثقافية، مختتماً :هنا نستمع ونسمع ونسأل ، الرقابة بين آمال المبدع واشتراطات الواقع ما العمل؟
وقال الروائي عبد الله البصيص: للثقافة تعريفات كثيرة ولايمكن حصرها في تعريف وحيد، الا أن كل تعريفاتها تتفق على ان المقصد الوحيد منها هو أن يكون الإنسان منفتحا على كل الثقافات. وهو ما يوافق الآية الكريمة “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” والثقافة لا تأتي إلا بالارتباط بالاستعداد النفسي لتقبل الآخر من جهة ،و القراءة من جهة أخرى، مشيرا الى أن مسألة المنع والرقابة في عصر الانترنت الحالي شكلية ،فكل الكتب التي منعتها الرقابة في متناول اليد ويمكن تحميلها بثواني أو دقائق من خلال الهواتف المحمولة أو أجهزة الكمبيوتر، وبالتالي فإن منع الكتب اليوم لايقدم وانما يؤخر وصول الفكرة .
وتابع : أي علم من علوم الدنيا مكون من فكرة وفكرة نقيضة، وبعدها فكرة تنقض الفكرة النقضية وبعدها فكرة، وهكذا حتى تتبلور الخلاصات وتتضح الرؤية وتصبح علما قائما بذاته يخدم البشرية، ولنا في الفلسفة التجريبية مثال ،وفي علوم الدين أيضا فهي مكونة من أفكار تنقض نفسها حتى تشكل عندنا الفقه الاسلامي والعقيدة وعلوم اللغة وغيره. لافتاً الى الجانب الانساني في النظرة الى الابداع على انه أساس قائم على تلاقح فكرة مع نقيضتها، إذن نحن نحتاج لأفكار تعارض أفكارنا، تحرك الماء الراكد فيها، فإذا منعت الرقابة المجتمع من الاطلاع على الأفكار لأنها ترى أنها مخالفة للفكر الذي تريد أن يكون عليه المجتمع فهذا أهم أسباب الانحدار المعرفي والحضاري ،ولنا عبرة في ما ذكره المؤرخون عن تدهور اسبانيا بعد محاكم التفتيش وحرق الكتب المخالفة.
وأشار الى انه ،حقوقياً ،يساعد ويشجع اجراء منع الكتب على القرصنة التي يتبعها ضياع الحقوق الأدبية، فاذا منع كتاب في الكويت فالقراء مضطرون للبحث عنه وبالتاكيد سيقوم أحد محبي الثقافة بتصويره ونشره “بي دي اف” والخسارة ستقع على الكاتب الذي لن يربح من الكتاب شيئاً يذكر “مؤكداً انه مع فكرة المنع والرقابة ولكن في حالات معينة ووفق آلية لا تسمح بظلم الكتب الجيدة ،مشدداً على أن الرقابة واجب ديني واجتماعي وإنساني ،فلا يجوز السماح ببيع الكتب التي تمس الذات الإلهية، ولا الكتب التي تزدري الأديان والكتب السماوية، ولا التي تدعو إلى الإلحاد، ولا الكتب التي تطعن في الأعراض، أو الكتب التي تفتري الكذب في السياسة لتشويه الأسر الحاكمة، ولا الكتب الإباحية. لا يجوز “شرعا” إجازة هذه الكتب.
وكشف البصيص عن أن مواد الرقابة والمنع في قانون 2006 ليست المشكلة الأساسية وانما الاجراءات والآليات المتبعة لتطبيقها من قبل الجهة المنوطة هي التي اثارت القضايا، مبيناً أن قانون 2006 يقول بما معناه، أن كل كتب العالم ممنوعة من دخول الكويت، إلا الكتاب الحاصل على إجازة من الرقابة، يعني الأصل فيه هو المنع، والفسح هو الاستناء.
واسترسل البصيص في تحليل آلية واجراءات الرقابة المتبعة على الأعمال الأدبية والكتب والتي يغيب فيها الدور الفاعل والمنجز للرقيب ذاته، وربط بينها وبين تصريح وزير الإعلام الذي نشر بتاريخ 24 سبتمبر قبل اسبوعين يقول أن الوزارة أجازت 80 ألف كتاب في سنة 2018 ، يعني 80 ألف كتاب في ثمانية اشهر ، ولنترك الحكم للغة الأرقام: 80ألف كتاب في 270 يوما بما فيها الأعياد والعطل الرسمية وعطل نهاية الأسبوع ، مع الأخذ بعين
الاعتبار إن الرقيب يقرأ في وقت عمله الرسمي فقط ،يعني سبع ساعات، و عندنا 12 رقيبا فقط، يعني ثمانين ألف كتاب تقسيم 270 يوما يساوي 296 كتابا باليوم، 296 كتابا تقسيم 12 رقيبا يساوي 24 كتابا ، 24 كتابا في اليوم للرقيب الواحد، متوسط عدد الصفحات بالكتب 300 صفحة، 300 ضرب 24 يساوي 7200 صفحة في 7 ساعات، المعدل الطبيعي للقراءة هو 50 صفحة بالساعة، أنا اقول : الرقيب يقرأ 200 صفحة بالساعة، 200 تقسيم 8 يساوي 1600 صفحة، وين باقي ال 7200؟

إذا هذا الأمر يستحيل عقليا
واختتم البصيص حديثه بعرض مجموعة من الحلول التي تعدل آلية واجراءات العمل في الرقابة على الكتب والأعمال الأدبية وهي على النحو التالي :
تحويل الكتب الأدبية إلى لجنة رقابية تابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب، كمؤسسة متخصصة بالشؤون الثقافية، أسوة بالكتب الدينية التي يتم تحويلها إلى وزارة الأوقاف المتخصصة بالشؤون الدينية. وتشكيل لجنة رقابية مختصّة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
زيادة عدد الرقباء، من 12 إلى خمسين وما فوق.
حماية الرقيب من المساءلة القانونية إذا ما حدثت مشكلة مع أي كتاب يجيزه.
زيادة عدد لجان الرقابة، من لجنة واحدة إلى ثلاث لجان وما فوق.
إلغاء آلية التقرير، وإرسال الكتاب نفسه من دون أي اجتزاء أو تصوير أو رأي موجه من الرقيب، وإلزام اللجنة بقراءة الكتاب والحكم عليه في ذاته.
تفريغ أعضاء اللجنة لأعمال اللجنة فقط.
السماح للكاتب الذي يمنع كتابه بمعرفة أسباب المنع حتى يعدلها في الطبعة القادمة.

الحرية مكفولة
قال المحامي الدكتور نواف الياسين: قضيت خمس سنوات من عمري المهني كمحام في البحث عن توصيف دقيق للمصنف الابداعي الفكري الذي يستحق الحماية ونقيضه الذي لايستحقها، مشيراً الى أن حرية الفكر والتعبير في الدساتير بكل دول العالم مكفولة ولاتمس، وهو ما يؤكده المادتين 36 و37 في الدستور الكويتي واللتين يقابلها المادة 9 في قانون العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،وتساءل لماذا يزداد ويتستع هامش الحرية والتعبير عن الرأي في أوروبا وأميركا ويتضاءل لدينا رغم توافق قوانيننا مع نصوص قوانينهم؟
وأشار الياسين الى أن اجازة أي عمل ابداعي سواء كان أدبياً أو فنياً أو غيرهما تشترط احترامه وتوافقه مع الآداب والقواعد العامة للمجتمع، موضحاً أن مفهوم الحماية يختلف عن الفسح، فأي عمل أدبي فور الانتهاء من كتابته يكون محمياً ،بينما افساحه واجازته أمر منوط بجهة معينة يتم تحديدها في كل دولة ومجتمع.
ولفت الياسين الى أن الآداب والقواعد العامة التي يتم تقييم الاعمال الادبية والابداعية بناء عليها ليست معرفة أو محددة في العالمين العربي والغربي واستخلاصها والتعرف عليها واستنباطها مسؤولية القاضي في المحاكم المسؤولة عن هذا النوع من القضايا .
واختتم الياسين حديثه بالاشارة الى نص في قانون المطبوعات لعام 2006 والمتمثل في وجوب ايداع المصنف في مكتبة الكويت الوطنية لايجازه واصفاً اياه ” بالشاذ” لأنه يلزم المؤلف باجراء ليس ضرورياً .

الرقابة بمفهومها السليم
بدوره قال عضو مجلس الأمة الدكتور عودة الرويعي : الأصل في التعامل مع كل الاعمال الابداعية الأدبية وغيرها أن تكون مباحة ومتاحة، والاستثناء وفق هذه القاعدة يكون بالرقابة متسائلاً :هل نبحث عن الرقابة بمفهومها السليم أم عكس ذلك؟
ولفت الى أن تحديد آلية واجراءات الرقابة وتغيير تشريعاتها وقوانينها أمر في غاية الصعوبة خصوصاً اذا أخذنا بعين الاعتبار الثالوث التقليدي المحرم ( الجنس والدين والسياسة)، مؤكداً ان الرقابة في بعض الاحيان تكون ضرورة ،فالهند على سبيل المثال منعت الكتب التي تؤجج الفتنة والطائفية في المجتمع، وكذلك النرويج رغم تقدمها منعت الكثير من الكتب لاعتبارات مجتمعية وانسانية، موضحاً أن الوزير أو المسؤول وفق هذا الاطار لدينا في الكويت ينظر الى الرقابة باعتبارها صمام أمان وحصانة أمام التهديد بالاستجواب من قبل بعض أعضاء البرلمان.
وكشف الرويعي عن رأيه في قضية الرقابة وقال :حرية التفكير والتعبير يجب أن تكون محمية ومكفولة للجميع، ولنا في ذلك قدوة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يتقبل ويسمع كل الآراء والأفكار حتى التي كانت تهاجمه شخصياً ،وكان يفندها ويرد عليها بالحجة والمنطق، لافتا الى ضرورة التفريق في اطار الرقابة بين مفهومين وهما “الأيتك” والمقصود به “الفهم الداخلي العميق للمضمون أو المحتوى” ، والأيمك والمقصود به النظرة الخارجية البسيطة وغير المتعمقة.
وأكد الرويعي ان المبدع يجب ألا يطلب منه مراعاة الرقابة في تعبيره عن رأيه وابداعه، لان الاختلافات في الأفكار والآراء تثري الفكر والتجربة الانسانية ،والتنوع الفكري ضروري للتقدم والتطور البناء، مشدداً على أهمية أن يكون لدى المبدع نفسه رقابة ذاتية يتخذها كدليل لمساعدته على تأليف مايناسب المجتمع ويحترم آدابه وقيمه، واذا هدد المصنف المجتمع أو أضر بآدابه فيكون اللجوء الى القضاء لمنعه وحظره.
واختتم الرويعي حديثه بالتأكيد على ضرورة مشاركة مؤسسات وهيئات المجتمع المدني في وضع وصياغة وتعديل القوانين والتشريعات المتعلقة بالرقابة، موجهاً دعوة للجميع أفراداً ومؤسسات ،بالمشاركة مع المشرع في مجلس الامة عبر وسائل التواصل المتعارف عليها لتحقيق ذلك على أرض الواقع.

رعاية الفكر
رحب الوكيل المساعد لقطاع المطبوعات في وزارة الاعلام محمد العواش بالحضور وثمن الطرح من قبل المشاركين، وأشار الى أن أحد أهم أهداف وزارة الاعلام رعاية الفكر وتشجيع الأدب والفن والثقافة، وهي جهة تنفيذية وليس من اختصاصها التشريع أو سن القوانين، لافتاً الى ان قانون المطبوعات لعام 2006 لم تسنه وزارة الاعلام وانما أقر في اللجنة التعليمية التابعة لمجلس الأمة بأغلبية 42 صوتاً ، وبالتالي فان وزارة الاعلام أمام قانون وعليها احترامه وتطبيقه.
وكشف العواش عن مجموعة من المشاريع التي ستدخل حيز التنفيذ قريباً ومن شأنها معالجة اشكاليات وآليات واجراءات قضية الرقابة، ومن أهمها ” مشروع الرقيب” الذي سيتم من خلاله اختيار عدد من الاشخاص من جهات حكومية وأهلية وتأهيلهم بدورات معتمدة على أيدي
خبراء ومتخصصين للعمل بوظيفة رقيب على المصنفات والاعمال الابداعية، وسيمنح كل رقيب يلتحق بهذا المشروع تصنيف A أو B بحسب أدائه، كذلك مشروع آخر طموح لتطوير آلية الرقابة والتوسع في انشاء لجان التظلم التي تتيح لأصحاب الاعمال الادبية غير المجازة امكانية اعادة النظر في حظرها، موضحاً أن وزارة الاعلام في اطار مفهوم الرقابة مسؤولة عن ثلاثة قوانين، هي قانون المرئي والمسموع وقانون المطبوعات والنشر وقانون الاعلام الالكتروني ، والكل يتفق على هامش الحرية الكبير الذي تتمتع به الصحافة الكويتية .
واختلف العواش مع الروائي عبد الله البصيص في مقولته المتعلقة بان الاجازة للاعمال الادبية هي الاستثناء ومنعها هو الثابت والاساس،معللاً رأيه بذكر عدد الكتب التي عرضت على الرقابة لاجازتها وهو 3600 كتاب أجيز منها 2900 ومنع 700.
واختتم العواش حديثه بالتاكيد على استعداد وزارة الاعلام للتعاون مع كل الجهات والهيئات والافراد، ومناقشة كل الرؤى والافكار التي من شأنها الارتقاء بقانون الرقابة وآلياتها وعرضها على مجلس الأمة لاعادة النظر فيها، ففي النهاية كلنا شركاء في المجتمع .
رداً على سؤال “السياسة” حول تعديل قانون المطبوعات والنشر عام 2006، الذي زاد من بنود المحظورات فيه مقارنة بنسخة القانون ذاته التي طرحت العام 1961، وكانت أكثر مرونة وانفتاحاً، وهل تعدل القانون بسبب قوى الضغط الاجتماعي؟ نفى النائب الرويعي” زيادة المحظورات في قانون المطبوعات والنشر لعام 2006″، وجدد دعوته لمؤسسات المجتمع المدني بالمشاركة مع المشرع في وضع القوانين وتعديلها لتقليل الهوة التي تسببت بها مسألة الرقابة.

جانب من الحضور
You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 − 1 =