الرقي بالأخلاق

0

مشعل اباالودع

خلق الله الإنسان متميزا بنوعه، خلقه من طين، وأسجد له ملائكته المكرمين” فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”.
ومن دواعي هذا التكريم أن يتولى الإنسان زمام الإعمارفي الأرض، ينعم بخيراتها ويحفظ نظامها ” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ”، ولن يتمكن الإنسان من القيام بواجبه إلا إذا تمكن من بناء ذاته، واستطاع ضبط تصرفاته، قال تعالى” وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ”، فبناء ذات الإنسان فريضة شرعية وضرورة حضارية، لذا عني الإسلام به، وشمله بأقصى درجات الرعاية، كيف لا؟ وقد استغرق بناء الذات وصياغة الشخصية سنين كثيرة من حياة النبي( صلى الله عليه وسلم)، فتمكن بفضل الله، من بناء ذوات أصحابه، وصقل شخصياتهم، حتى تميز سلوكهم، فصار الصدق شعارهم، والوفاء نابعا من ذواتهم، فاستنارت الإنسانية بهم، وهذا دليل على ما التربية الذات من أهمية في حياة الأمم والشعوب.
من أولويات بناء ذواتنا إعادة النظر في أقوالنا وأفعالنا، فالتخلي قبل التحلي، ومما لاشك فيه أنه لا يخلو إنسان من خطأ أو عيب، يقول الرسول( صلى الله عليه وسلم(:” كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”.
وإذا كان الأمر كذلك، فأكثر ما يعيب الإنسان عدم إصلاح عيوبه، وعدم التوبة من ذنوبه، حيث يبقى ذلك العيب فيه خلقا دائما ووصفا لازما، وهذا من عقبات تنمية ذاته الأخلاقية والسلوكية، لذا وجب على كل إنسان يتخلص من عيوبه، غير أن من العوائق لتحقيق ذلك عدم اعتراف الإنسان بالعيب فيه، ولذلك فهو لا يعمل على إزالته، بل إن البعض يفعل الشيء السيء القبيح وهو يحسب أنه حسن وصحيح، وهؤلاء هم الذين وصفهم الله في القرآن بالخيبة والخسران” قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضَل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”. ويقول” أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا”.
من العيوب الشخصية الداعية إلى عدم تطوير الذات، الإنطوائية والإنعزالية، فمن الناس من ينطوي على نفسه وينعزل عن مجتمعه، وأمثال هؤلاء لا يفيدون أنفسهم ولا ينفعون غيرهم .
ومما يساعد على بناء الذات التفكر والتأمل في ما يخدم الإنسانية، والإستماع إلى الحسن النافع مما يقول الغير، تحقيقا لقوله تعالى” الذين يستعمون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب”.
وكذلك الإهتمام بالبناء الروحي والسلوكي، ولذا شرعت العبادات المختلفة، لتكون رافدا لبناء الذات المتعددة، وصياغتها فكريا وروحيا ووجدانيا وسلوكيا، فالصلاة عبادة تهذب الروح، وتوحد الصفوف، وتثمر الضبط والإرادة، ومثل الصلاة نجد الزكاة فإنها تصوغ الفكر الإجتماعي في الذات المسلمة أفضل صياغة، لتجعل منها ذاتا تتحلى بالعطف والإيثار، وتعشق الطهر والنقاء، قال تعالى” خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها وتزكيهم وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم”.
وكذا سائر العبادات تحرر المسلم من المخاوف وقيود الأنانية وأثقال التردد، ثم تثبت فيه الثقة بقدرته، وتحرك روح المسؤولية في داخله، ليعطي انعكاسا حقيقيا للإنسان السوي، فتتحقق بهذا التناغم أروع الإنجازات.
فإصلاح الذات تحقيق للتكامل البشري، والنمو الفكري للإنسان.

كاتب سعودي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ستة عشر + اثنان =