“الزغنبوت … ينجي من الموت”! محبرة وقلم

0 10

مشعل عثمان السعيد

من الكلمات الغربية التي كان يقولها الناس في الماضي قولهم: زغنبوط – زغنبوت، وقد بحثت في أصل هذه الكلمة فلم أجدها عربية، وسألت فقالوا لي: إنها كلمة أعجمية، وهي تعني المرض، وتصل إلى معنى السم المميت، وهذا المعنى هو الأقرب لكلمة زغنبوط، وربما جاء المعنى بالسحت والمال الحرام، حسب وقوع الكلمة في الجملة.
لهذا كان الناس يقولون في الماضي: عساه زغنبوط في بطنك. كأنه هنا يقول: عساه سم. ولو تأملت الجمل التي تستخدم فيها هذه الكلمة لعرفت أنها لا تعدو السم والدعوة بالهلاك، بقصد وبغير قصد.
وللزغنبوط هذا قصة عجيبة وحادثة غريبة رواها الثقات، إذ يروى أن أحد أبناء الكويت في الماضي كان يملك دكانا في السوق القديم يبيع فيه المواد الغذائية والهيل والقهوة، وما شابه ذلك.
هذا الرجل يضع على طاولة أمام دكانه: دلة قهوة وتمراً لزبائنه وجيرانه، ويراها الجميع، وكان أكثر زبائنه من خارج الكويت، وبينما هو جالس في دكانه صباحا إذ أقبل إليه رجل، فاستبشر صاحبنا خيرا لأنه أول زبون يأتي منذ فتح دكانه، وقف الرجل ينظر إلى ما يحتويه الدكان ويتأمل، ثم قال: “عندك قهوة”؟ قال: “نعم عندي”. وتابع الرجل: “عندك هيل”؟ فرد صاحبنا بنعم، ثم سأله: “عندك شاي”؟ قال: نعم، وبينما الرجل يحدثه التفت فإذا القهوة والتمر، فقال لصاحبنا: “هذي قهوة وتمر”! قال صاحبنا: أي نعم، تفضل اشرب قهوة واكل تمر. وما إن قال له ذلك حتى أقبل على التمر فأكله كله، ثم أقبل على القهوة فشربها كلها وترك دلة القهوة فارغة وصحن التمر فارغاً، كل هذا وصاحبنا ينظر إليه وقد امتلأ غيظا وحنقا مما فعله هذا الرجل الذي شرب القهوة كلها وأكل التمر، إلا أنه لا يستطيع أن يقول شيئا، والذي زاد حنقه أنه لم يشتر منه شيئاً، وكأنه جاء متعمدا ليشرب القهوة ويأكل التمر.
المهم أن الرجل نظر إليه وقال: “أنت شسمك؟” فقال له صاحبنا وهو غاضب: اسمي زغنبوط. وكررها على الرجل: زغنبوط زغنبوط، ومن داخله يقول: عساك ما تهنا. “لماذا قال ذلك صاحبنا”؟ لأنه سيضطر إلى الذهاب لمنزله واحضار قهوة وتمر، ومنزله غير قريب وعلى مسافة بعيدة من الدكان، وليس بخلا، فأهل الكويت أهل كرم. الحاصل أن الرجل التفت اليه وقد هم بأن يغادر المكان وقال: “عز الله إنك رجال أجودي يا حجي زغنبوط”.
ذهب الرجل لطيته، وظل جيران صاحبنا اصحاب الدكاكين يضحكون من سالفة التمر والقهوة وزغنبوط. وتدور الليالي والأيام وينسى القصة، ويعزم صاحبنا على أداء فريضة الحج ويحزم أمتعته ويتوكل على الله ويسافر إلى مكة المكرمة شرفها الله، وعند وصوله إلى منتصف الطريق يفاجأ بمجموعة من اللصوص الذين كان يطلق عليهم في الماضي: “الحنشل”، وهم قطاع الطرق، فحاوطوه من كل جانب، وأشهروا أسلحتهم، فخاف خوفا شديدا ولم يستطع مدافعتهم، فأخذوا كل ما عنده حتى عقاله وطاقيته وغترته، وقع الرجل في ورطة وفي أمر لم يحسب له حسابا، فهو لا يستطيع الرجوع إلى الكويت، ولا يستطيع متابعة رحلته الى بيت الله الحرام، ما الذي يستطيع أن يفعله؟ وبينما هو في دوامة أفكاره وحيرته الشديدة وخوفه أن يقتلوه، إذا برجل يقبل إليه ويتأمله من الأعلى إلى الأسفل، وصاحبنا خلال ذلك ينطق الشهادتين، لأن الرجل أصبح أمامه وجها لوجه، وبعد النظر الفاحص قال له: أقول ودي أنشدك أنت منت حجي زغنبوط راعي الدكان اللي بالكويت؟ فاسترجع صاحبنا ذاكرته وثاب إليه رشده وقال: “زغنبوط منو زغنبوط”؟ فقال له الرجل: “انت زغنبوط”، وأنا الرجال اللي أكل تمرك وشرب قهوتك”. فتذكر صاحبنا الرجل على الفور وقال: “مبلى انا زغنبوط”. فصاح الرجل بأصحابه وكان كبيرهم: ردوا لزغنبوط كل شيء اخذتوه منه حتى خيط الإبرة، هذا حاط في بطني معروف، شربت قهوته وأكلت تمره، وصار له حق كبير علي. فردوا كل ما أخذوه منه، وتنفس صاحبنا الصعداء، وحمد الله وقال لنفسه: “رب ضارة نافعة، والزغنبوت ينجي من الموت”، بعض الأحيان. هذه الحادثة العجيبة ذكرتني بقول عبيد بن الأبرص الأسدي:
“الخير يبقى وإن طال الزمان به
والشر أخبث ما أوعيت من زاد”.
وكذلك قول الحطيئة العبسي:
“من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس”.
أما عبيد بن الأبرص بفتح العين فقد قتله النعمان بن المنذر يوم بؤسه لأنه أول من طلع عليه في هذا اليوم المشؤوم، وهو قائل البيت المشهور:
“من يسأل الناس يحرموه
وسائل الله لا يخيب”
وأما الحطيئة فهو: جرول بن أوس العبسي، شاعر مخضرم عاش الجاهلية والإسلام، وأشهر بيت قاله:
“وتقوى الله خير الزاد ذخرا
وعند الله للاتقى مزيد”.
وهو أشهر شعراء الهجاء، حتى انه هجا نفسه، أمه وأباه، ومات في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.