يلجأ إليه الشباب والفتيات العاجزون عن توفير متطلبات الأسرة

الزواج العرفي… حلٌ يفتح أبواب المشكلات يلجأ إليه الشباب والفتيات العاجزون عن توفير متطلبات الأسرة

رغبة محفوفة بالمخاوف

القاهرة- مي مجدي:
تشير الاحصائيات إلى أن الزواج العرفي أصبح منتشراً في المجتمعات العربية، خصوصاً بين طلاب المدارس والجامعات، كما أصبح وسيلة لعدم الوقوع في شرك الزنا لدى بعض الرجال والنساء، يؤكد ذلك أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء التي كشفت أن أكثر من 9 ملايين من الشباب والفتيات الذين تبلغ أعمارهم سن الخامسة والثلاثين غير متزوجين، بل ويعيسشون علاقات من خلال العالم الافتراضي « النت « بل ويتزوجون بعقود زواج من خلال غرف الدردشة، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل غياب الوازع الديني واختفاء دور الأسرة. كما كشفت دراسة أجراها المجلس القومي للسكان عن انتشار ظاهرة الزواج السري بشكل ملحوظ في المجتمع المصري، خصوصاً بين طلاب الجامعات، وخرجت الاحصائيات بأن هناك من 150 ألف إلى 400 ألف حالة زواج سري، تقع سنويا. ومما رصدته الاحصائيات أن هناك 2600 طالبة أقمن عاوي اثبات زواج، فيما اقامت 3510 فتاة دعاوى اثبات نسب امام محاكم الأسرة.
عن أسباب ومشكلات الزواج العرفي الذي بلغت عدد حالاته في مصر مليون حالة، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
تزوجت رانيا محمد، 16 عاما، عرفيا منذ عامين من رجل ينتمي لاحدي الدول العربية، كان يأتي لها كل ثلاثة اشهر لقضاء أسبوع معها، كان الهدف الأساسي هو الاشباع الجنسي وقت الاجازة فقط، بعدها اختفي هذا الزوج لمدة أكثر من عام لأن بلاده لا تعترف بمثل هذا الزواج، لم تستطع التقدم بورقة الزواج العرفي إلى سفارته للتعرف على محل اقامته، أصبحت معلقة لا تعرف هل هي متزوجة أم مطلقة.
لجأت «س. م»، أرملة، 42 عاما، إلى الزواج العرفي بعدما أحبت رجلا متزوجا، أرادت أن تقنن علاقتهما في اطار شرعي فلجأت إلى هذا النوع من الزواج لتحافظ على سمعتها وشكلها أمام أبنائها الصغار والمجتمع ولكي تحصل أيضا على معاش زوجها حتى لا ينقطع بعد زواجها، كذلك كان الزوج يريد الحفاظ على زوجته الأولى، لكن المشكلة الحقيقية التي واجهتها كانت بعد حوالي سنة من الزواج عندما انجبت منه ولأنه لم يكن راغبا في ذلك تفاقمت المشكلات بينهما ووصل بها الأمر إلى الذهاب بطفلها إلى المحاكم لاثبات نسبه.

دوافع العرفي
تقول الدكتورة احسان سعيد، الأستاذة المساعدة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن العديد من الأسباب تدفع الرجال والنساء للاقبال على الزواج العرفي، أبرزها عدم الرغبة في اعلان الزواج أمام المجتمع، أما طلاب المدارس والجامعات فأغلبهم يلجأ لهذا النوع من الزواج بعد رفض الأهل زواجهم، فيفاجأ الأهل بهذا الزواج غير المرغوب فيه من قبل المجتمع أو بسبب الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الشباب، التي تدفعهم للزواج بدون تكاليف، كما يلجأ أيضا البعض للزواج العرفي حفاظا على السمعة، مثل، المرأة المطلقة أو الأرملة، التي تخشي نظرات المجتمع لها. لافتة إلى أن الدراسات الاجتماعية أكدت أن نسبة الزواج العرفي ترتفع عندما يزداد الانفلات الأخلاقي، لأن الرجل يلجأ إلى الزواج العرفي عندما يرغب في اقامة علاقة جنسية مع امرأة أخرى غير زوجته في اطار الشرع، بعيدا عن الزنا، خصوصاً مع سهولة اقامة علاقة عن طريق الانترنت وغيرها من الوسائل التي سهلت عملية الزواج، فكلما زاد الانفلات الأخلاقي في المجتمع، كلما زادت نسب الزواج والممارسات غير الشرعية.

أسباب نفسية
تقول الدكتورة زينب مهدي، استشاري الصحة النفسية: الجنس من الدوافع القوية جدا التي يصعب على الانسان التعامل معه بفوضوية، بل لابد من التعامل معه باعتباره من أقوى أسباب انتشار ظاهرة الزواج العرفي، الذي غالبا ما يتم لاشباع ذلك الدافع. ومن الأسباب وراء انتشاره أيضا، عدم تقبل الوالدين للمراهق، التقليل من قيمته، فيبحث عن الحب والتقدير من أي شخص أخر، فتجد الفتاة زميلها في الجامعة يحبها ويتعامل معها بحب، عاطفة، تقدير، كما يحتاج المراهق إلى من يفهم طبيعته النفسية وحاجته إلى التقبل والاحترام وهو ما يجده مع زميلته المراهقة التي تفهم ما يريد، لكنه تفهم مرضى وليس بشكل سليم.
من وجهة نظر هؤلاء المراهقين يكون الزواج العرفي هو الحل الذي ينتهي بعد فترة من الزمن، يتفاجأ كل منهم أنه أخطأ، لكن بعد فوات الأوان، فتزداد مشكلاتهم أكثر. أما ما يدعو الأرملة إلى هذا الحل فمحاولتها الحفاظ على أموال أولادها «معاش الزوج»، الذي تحرم منه اذا تزوجت من آخر وفقا للقوانين المصرية، بينما تلجأ بعض الفتيات اليه هربا من العنوسة، وفي كل الحالات رغم اختلاف ظروفها لا يتوفر الشرط الأول والأهم في الزواج وهو الاشهار، لأن العرفي يتم بعيدا عن عيون الناس وبالتالي لا يتحقق معه الاشهار.

الدافع الجنسي
تؤكد الدكتورة نسرين بغدادي، أستاذ علم الاجتماع، جامعة عين شمس، إلى أن الزواج ليس له عمر محدد، لاستمرار دافع الجنس والاحتياجات النفسية التي لا يستطيع الانسان الاستغناء عنها طوال عمره، الا أن توظيف كل هذه المشاعر يجب أن يتم بشكل سليم، لكن نظرا للظروف الاقتصادية والرغبة في الاشباع الجنسي والاحتياج النفسي تنتشر ظاهرة الزواج العرفي بين الشباب من عمر 15 عاما حتى 40 عاما، كوسيلة يرونها الأفضل لأنها من وجهة نظرهم تحميهم من الوقوع في الزنا، أي أن هذا النوع من الزواج يحدث بهدف تقنين الزنا. لكن من يتأمل واقع هذا الزواج يكتشف بأنه يعمل على اهدار حق المرأة في كثير من الأحيان، كما يجعل المجتمع في هذه الحالة ينظر اليها على أنها مذنبة، أما الرجل فلا ذنب له، ويظل أمام المجتمع ليس مذنبا رغم أن من ينظر بعين العدل يجد أن الذنب اقترفه كل من الطرفين.
ويجب أن يساهم للمجتمع في الحد من تلك الظاهرة بعمل ارشادي وليس بالترهيب والتخويف، خصوصا أن كثيرا ممن وقعوا في دائرة الزواج العرفي كان بغرض الفضول ومعرفة ما سوف يكون. كما يجب على الاعلام الحد من تلك الظاهرة من خلال البرامج الدينية والتوعوية، ولا يمكن أن نغفل دور الأسرة في احتضان أولادها واحترام احتياجهم للدافع الجنسي، العمل معهم على تهدئة تلك الدوافع من خلال ممارسة الهوايات وليس فقط ممارسة الرياضات المختلفة، بل معرفة مشكلاتهم واحتياجاتهم للحب العاطفي الذي يعد من أبرز سمات تلك المرحلة.
رأي الدين
يقول الدكتور سعدالدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن، جامعة الأزهر: الزواج العرفي له فوائد عديدة للمجتمع، تتمثل في، تقنين حالات الزنا التي تحدث بين الشباب والبنات في السر، كما ساهم في تقليل الفاحشة في المجتمع، لكن لا يمكن اغفال المساوئ التي تنتج عنه، من أبرزها، حرمان الزوجة من الميراث، اذ يضعها في المرتبة الثانية، كما أن عدم تقنينه يؤدي إلى انتشار الفاحشة والزنا في المجتمع وهو أمر ينهانا عنه الدين.
الشرع والقانون
يوضح الدكتور علوي خليل، أستاذ الفقه المقارن، كلية الشريعة والقانون، أن الزواج العرفي زواج صحيح، لكن عدم توثيقة في المحكمة، ينتج عنه الكثير من المشكلات، خصوصاً للزوجة اذا غالبا ما يتسبب في فقدانها لحقوقها، لأن الهدف من توثيق الزواج هو صيانة الحقوق للزوجين واثبات النسب وغيرها من المنافع، ورفع الظلم ان وجد بين الطرفين، لأن هناك العديد من الحالات يحصل فيها الزوج على ورقتي الزواج العرفي فلا تستطيع الزوجة اثبات نسب اولادها بعد انكار الزوج لأبنائه منها، لذلك يجب على الدولة أن توفر لهذا الزواج أركان وشروط الزواج الشرعي، لكي يكون صحيحا وتتمثل في الايجاب والقبول، وجود الولي، الشاهدين، المهر، لافتا إلى أن الزواج الموثق يعد ضمانا لحقوق الزوجين المالية وغير المالية، بينما الزواج العرفي يؤدي إلى ضياع هذه الحقوق، لافتا إلى أن هناك بعض الأشكال الأخرى للزواج العرفي، لكنها تقع تحت بند الزنا، منها، التي يقول فيها الشاب والشابة «زوجتك نفسي»، فهذه العلاقة تعد زنا لأن لا يوجد بها شهود ولا ولي.