الزوجة الحكيمة هُنيسة بنت أوس الطائي

“وراء كل رجل عظيم امرأة” مقولة مشهورة سمعناها كثيرا، قيل أن أول من قالها ارسطو، ذلك أنه قبل أن يصبح فيلسوفا كانت له زوجة وكان يلقبها بالشرسة وعاش معها حياة مزرية مغمورة بالمشكلات، وبعد ان اعتزلها وفارقها وبقي وحيدا ظهرت موهبته وصار فيلسوفا، ومن هنا قال مقولته الشهيرة: “وراء كل رجل عظيم امرأة” يبين ان ما وصل اليه كان بسبب زوجته، ويقول سقراط “تزوج تصبح فيلسوفا” ويقال إن نابليون هو صاحب المقولة، والمعنى صحيح 100 في المئة فكلنا يعلم الدور الذي ادته خديجة بنت خويلد زوجة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأولى حياته ورسالته، وكان كثيرا ما يقول (صلى الله عليه وسلم) :”لدينا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة” أي الزوجة كان يقول: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا من زوجة صالحة”.
تعالوا لنتعرف على نماذج طيبة من الزوجات الصالحات اللاتي خلدهن التاريخ نتيجة لرأيها السديد وحكمتها البالغة يروى ان الحارث بن عوف قال يوما لخارجة بن سنان: “أتراني اخطب الى احد فيردني”؟ قال: “نعم” قال: “ومن ذاك”؟ قال: “اوس بن حارثة الطائي”. فقال: “اركب بنا إليه” فركبا حتى اتيا اليه، فلما رأى الحارث بن عوف قال: “مرحبا بك يا حارث، ما جاء بك”؟ قال: “جئتك خاطبا” قال: “لست هناك” أي لن أجيب طلبك فانصرف ولم يكلمه، فدخل أوس على امرأته غاضبا، وكان من بني عبس فقالت: “من الرجل الذي وقف عليك فلم يطل ولم تكلمه”؟ قال: “ذاك سيد العرب الحارث بن عوف”. قالت: “لماذا لم تستنزله”؟ أي لم لم تقدم اليه واجب الضيافة؟ قال: “انه استحمق”، قالت: “كيف”؟ قال” : “جاءني خاطبا” قالت: “ألا تريد ان تزوج بناتك” قال: “بلى” قالت: “فإذا لم تزوج سيد العرب فمن إذا”؟ قم فتدارك ما كان منك والحقه ورده فتداركه وقال له معتذرا: “انك لقيتني مقتضبا بأمر لم يتقدم مني فيه قول، فارجع ولك ما عندي كل ما احببت”.
فرجع مسرورا ثم دخل أوس منزله وطلب من زوجته ان تدعو اليه كبرى بناته، وعندما اتته قال لها: “يا بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب جاءني خاطبا، وقد اردت أن أزوجك منه فما تقولين”؟ قالت: “لا تفعل لان في خلقي رداءة، وفي لساني حدة، ولست بابنة عمه فيراعي رحمي، ولا هو بجار لك في البلد فيستحي منك ولا أمن ان يرى فيَّ ما يكره فيطلقني، فيكون على ذلك سبة” قال لها: “قومي بارك الله فيك”.
ودعا ابنته الثانية، فقالت له ما قالت اختها ثم دعا الصغرى وقال لها: “اني عرضت الزواج من الحارث بن عوف على اختيك فأنباه” فقالت له: “والله اني الجميلة وجها الرفيعة خلقا، الحسنة رأيا فإن طلقني فلا اخلف الله عليه” فقال لها: “بارك الله فيك” ثم خرج الى الحارث وقال له: “قد زوجتك ياحارث بابنتي هنيسة”.
ثم بعثها ابوها الى زوجها وعندما دخلت عليه مد يده اليها، فقالت له: “مه، أعند أبي واخوتي هذا والله لا يكون ابدا” ثم امر بالرحلة وفي بعض الطريق عندما قرب منها قالت له: “اتفعل بي كما يفعل بالأمة السبية، لا والله لا يكون هذا حتى تنحر الجزر والغنم وتدعو العرب” فقال في نفسه: “والله إني لأرى همّة وعقلا”، وارجو من الله ان تكون المرأة النجيبة”.
ثم مضى وورد الى بلاده، فأحضر الابل والغنم ونحر وأولم، ثم دخل عليها وقال لها: “قد احضرت من المال ما تريدين” قالت: “والله لقد ذكرت من الشرف بما ليس فيك” قال لها: “ولم ذاك؟ قالت: “اتتفرغ للزواج والعرب يقتل بعضها بعضا”؟ وكان ذلك في ايام قيس وذبيان، اي حرب “داحس والغبراء”. فقال لها: “فماذا تقولين”؟ قالت: اخرج الى القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع الى اهلك، فلن يفوتك ما تريد فقال في نفسه: “والله إني لأرى عقلا ورأيا سديدا” فخرج الحارث بن عوف مع هرم بن سنان حتى أتيا القوم ومشيا بينهما بالصلح، فأصلحوا على ان يحسبوا القتلى، ثم تؤخذ الدية، فحملا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير، وانصرفا بأجمل ذكر وفي ذلك قال فيها زهير بن أبي سلمى:
“تداركتما عبسا وذبيان بعدما… تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم”.
ثم دخل الحارث على زوجته فقالت له: “أما الان فنعم”.
فكانت رجاحة عقلها سببا في وقف حرب أكلت قبيلتين كبيرتين وسفكت دماءهما، فتصالحا واصحبت مفخرة للحارث مع صاحبه هرم بن سنان.

محمد الفوزان
إمام وخطيب

Leave A Reply

Your email address will not be published.