من وحي الناس

السباحة ضد التاريخ من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

الشعوب العربية التي خرجت الى الشوارع والميادين مطالبة بتغيير الانظمة سقطت دولة بعد اخرى في اتون الارهاب الاسود المجنون, والعدمي والحرائق والاغتيالات, وغرقت من جديد في ديمقراطية لا تعرف منها الا اسمها, وكيف ستمارس هذه الشعوب الديمقراطية وهي لا تتقبل الآخر, ولم تزل تقدس النظام القبلي, والطائفي, والمذهبي, والعشائري؟
فلقد سقطت ليبيا في هذه الحرائق وهذا الارهاب الاعمى الذي لا يرى في الآخر الا عدوا له بعد ان كانت الآمال ان ترتقي, وتتحقق التنمية والازدهار, وتطبق القوانين وتحارب الفساد وتجتث جذوره وتودع التخلف والجهل بتعميم التعليم واصلاحه بما يتوازى مع ثورة العصر, وثورة المعلومات والمعرفة, والتكنولوجيا واعادة تنظيم الادارة المهترئة, وتحقيق النمو الاقتصادي والاهتمام بكرامة الانسان, وحقوقه, وحريته, والقضاء على البطالة الظاهرة والمقنعة بين الشباب الذي يجلده الفراغ, فاذا بهذا الذي سمي الربيع العربي ما هو الا فوضى تقتلع الآمال, والأحلام وتنشر الكوابيس وتسيل الدماء غزيرة والميليشيات الاخوانجية التي خطفت تلك الثورات الشعبية تفوح من تصريحاتهم ومواقفهم العنجهية وامعانهم في اخونة كل مرافق الدولة, وصاروا يناورون سياسيا وكان شعارهم مغالبة لا مشاركة فانهارت كل مؤسسات الدولة في خلال سنة واحدة وجلبوا كثيرا من الارهابيين الى سيناء لاستنزاف الجيش المصري, البطل الذي سطر الملاحم في حرب اكتوبر, وصارت كل المعارضات ضحية سياسة هذه العصابة الاخوانجية واستبدلوا “عيش حرية كرامة انسانية”, بديكتاتوريتهم الحزبية في الحكم, وتكميم الافواه المختلفة معهم وسالت دماء الشباب, والصحافيين والاعلاميين وهدرت كرامة المرأة واهانتها وازدرائها والعنف الرسمي لوجودها وموقعها من الثورة الشبابية هذا من الناحية للافعال الارهابية لمصر الشقيقة فقد سقط بلد آخر عربي, في آتون حرائق الارهاب الاسود الذي حصد الاخضر واليابس وقضى على البنى التحتية فقد تحولت ليبيا بعد تدخل حلف الناتو وقتل الآلاف واغداق الاسلحة على الميليشيات الطائفية والمذهبية حتى وصلت الى العادات الجاهلية خصوصا في ما يتعلق بحقوق الانسان, وانتشرت حالة من الارهاب المجنون والمنفلت يستهدف الابرياء ورجال العهد الجديد فغرقت البلاد في الظلام والخوف مترافقة بحالة بائسة وشلل تام وفوضى لم تستطع لا الحكومة ولا الميليشيات ببسط سيطرتها على قطاع انتاج النفط, وعزوف المستثمرون عن العمل في هذا البلد, وارتفعت اسعار المواد الغذائية والمواد الاخرى بشكل هائل فانعكس ذلك على كلفة المعيشة على غير ما قامت الثورة من اجله, وهو تحرير ارادة الليبيين التي صودرت طوال اربعة عقود, وهذا يتطلب اعادة بناء الدولة ومؤسساتها وتحقيق الديمقراطية الغائبة ولكن الانتكاسة الكبرى اعادت هذا البلد الى الوراء بل ان السلطة انتقلت من الشعب والقانون الى ايدي حملة السلاح وبدل ان تنشأ سلطة جديدة تجسد اهداف الثورة نشأت سلطة امر واقع فقد اصبح الثوار ومن يتحالف معهم من قوى قبلية وعشائرية وبعض الرموز المناطقية وهم وحدهم اصحاب القرار فلا ديمقراطية ولا مشاركة شعبية في الحكم وانما موجات من العنف والارهاب المتتالية تستهدف اي رمز من رموز المعارضة السابقة لحكم القذافي ومسلسل من الاحباط والصدمات وفي ضوء ذلك لم يبق من خيارات سوى ان تعزز الحكومة المركزية بالتعاون مع البرلمان سلطاتها وان تجد حلا متوافقا عليه لمسألة الميليشيات في العاصمة طرابلس, اذ يصعب مواجهة واقع تقسيمي بحكومة مشلولة ومع تنازع الارض في العاصمة فان كانت الاطراف صادقة في اطروحاتها السياسية حول اعطاء الاولوية للوطن فلابد لها ان تتنازل ولو قليلا عن راديكاليتها وتقبل الالتقاء مع الاخر في منتصف الطريق فالضحية هو الوطن ذاته رغم ان كل ما يسفح من دماء ويعلو من صراخ يأتي باسمه ومن اجله.

كاتب كويتي