“السترات الصفر” تقليعة عربية بلا أفق

0 137

لم تكن التظاهرات المطلبية المعيشية التي شهدتها فرنسا في الشهرين الماضيين غريبة عن مجتمعها، فهي تستند إلى إرث تاريخي بدأ مع الثورة في القرن الثامن عشر، التي غيرت المجتمع ووجه أوروبا وقتذاك، وأرخت بظلالها على العالم وقيمه حتى يومنا هذا، ولذلك ليس تراجع حكومة إيمانويل ماكرون عن قراراتها تحت ضغط الاحتجاجات الأخيرة إلا بسبب ترسيخ مفهوم دولة المؤسسات الحقيقي، رغم عدم وصولها إلى مستوى الثورة الطلابية في العام 1968 التي فرضت استقالة الجنرال شارل ديغول، وولادة الجمهورية الخامسة، بل إن الدعوة إلى رحيل الرئيس ماكرون وحكومته بقيت دون مستوى المطالبات التي رفعت قبل نصف قرن، رغم حديث بعض المراقبين عن ضرورة الانتقال إلى الجمهورية السادسة.
تاريخيا، كانت فرنسا مؤثرة في بعض المجتمعات العربية، لذلك رأينا المتظاهرين في دول عربية يرتدون السترات الصفر تشبهاً بالفرنسيين، مع فارق أن أولئك اتخذوها شعارا تضامنا مع العمال البسطاء في الشوارع، لكن نتيجة التأثير المباشر للإعلام في المجتمعات الحديثة انتقلت هذه الحركة إلى بعض الدول العربية، كما هي الحال في لبنان الغارق في أزمة حكم عميقة تؤثر على مختلف نواحي الحياة، بسبب خطف نظام الملالي قراره بواسطة “حزب الله”، إذ بدأت إشارات الخروج على سلطة الأمر الواقع بالبروز في المظاهرات التي شهدتها بيروت وبعض المناطق اللبنانية، خصوصا الجنوبية منها.
في العالم العربي، والشرق الأوسط عموما، لا تختلف الأوضاع المعيشية الصعبة عن بعضها بعضا، وإذا كان الاحتجاج الفرنسي على رفع أسعار الوقود أشعل شوارع وساحات باريس وغيرها من المدن، فإن الجوع والفقر الذي تعانيه دول شرق أوسطية عدة لا شك سيكون له الأثر البالغ في التغيير، كما هي حال إيران التي يخضع شعبها لأسوأ نهج تجويع وإفقار بسبب إنفاق النظام الكهنوتي أمواله على المنظمات والجماعات الإرهابية في الخارج، من دون أن يلتفت إلى معاناة الداخل الذي انتفض أكثر من مرة نتيجة العقوبات الدولية التي استدرجها الملالي عليه، لا سيما الأخيرة منها إذ بدأت معها سلسلة من الانتفاضات لا شك ستؤدي إلى إطاحة النظام في نهاية المطاف.
لا يختلف الوضع المعيشي والاقتصادي في تركيا عما في إيران جراء الممارسات السياسية لنظام حكم أنقرة، فقد بدأت تلوح بالأفق بوادر نقمة شعبية شبيهة بالفرنسية، مع اختلاف وهو أن ردة الفعل التركية ستكون أعنف بسبب الطبيعة السياسية للمجتمع، حيث الجيش صاحب الكلمة الفصل.
إذا كانت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر غيرت أوروبا، فإن ما سمي “الربيع العربي” أدى إلى حروب أهلية وأزمات معيشية خانقة، فهاهي تونس حيث بدأت منها شرارة هذا “الربيع” في أواخر العام 2010 ارتد عليها سلبياً لأن الثورة لم تتحقق شعاراتها، فازداد الفقر وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، واليوم يغرق السودان باحتجاجات فيما يبدو أن الحكومة لن تستطيع تلافي تبعاتها لأنها غير قادرة على تلبية المطالب الشعبية جراء الممارسة السياسية السائدة منذ الاستقلال والحروب الأهلية التي أدت إلى تقسيمه وإفقار شعبه.
في الشرق الأوسط بات واضحا أن الجوع ليس بسبب شح الموارد، إنما بسبب أنظمة اختارت تجويع شعوبها لإنفاقها ثرواتهم على مخططات شريرة في الخارج تماما كما كانت الحال في ليبيا القذافي، حيث انتهى ذلك إلى حرب أهلية أو كما هي حال إيران الملالي المصممة على إعادة الامبراطورية الفارسية عبر مشروع الإرهاب وفرض ثقافتها، أو تركيا أردوغان الماضية في قمع الشعب وضعضعة الاقتصاد لخدمة مشروع التنظيم الدولي لـ “الإخوان”، فإلى متى تبقى مغامرات هذه الأنظمة تتحكم بشعوبها وتزيدها فقراً وجوعاً؟

أحمد الجارالله

You might also like