السجال النبوي مع بني النضير أدب الحوار وسنة الاختلاف في القرآن والسنة (3)

0 4

مما دار من حوارات بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهود بني النضيرـ وهي إحدى قبائل اليهود الذين أظهروا شماتة لما حدث للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والمسلمين في غزوة أحد. وما حدث لهم في منطقة الرجيع من خيانة قبيلتي عضل والقارة وما حدث من غدر وخيانة للمسلمين في بئر معونة من أهل نجد وقتلوهم جميعا إلا عمرو بن أمية فقد فر منهم إلى المدينة، وهو في طريقه التقى برجلين من يهود بني عامر فقتلهما بالخطأ فجاء بنو عامر يطلبون الفدية من رسول الله ما يرويه ابن كثير في البداية والنهاية وابن هشام في سيرته ومعظم أصحاب السير ومحمد الصلابي في “الانشراحُ وَرَفعُ الضِّيق في سِيرة أبي بَكْر الصِّديق شخصيته وَعَصره” يقولون:
“خرج النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية من بني عامر على وجه الخطأ؛ لأن عمرًا لم يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فلما آتاهم النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، قالوا: فمن يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأتى رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الخبر من السماء مما أراد القوم، فقام وخرج إلى المدينة، فلما استلبث أي تأخر عليهم النبي أصحابه قاموا في طلبه، فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه فقالوا: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.فبعث النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده،
فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم بالنصر، فقويت نفوسهم، وبعثوا إلى رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهد، فعند ذلك أمر رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الناس بالخروج إليهم، فحاصروهم خمس عشرة ليلة فتحصنوا في الحصون،
فأمر رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقطع النخيل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخل وتحريقها فقذف الله في قلوبهم الرعب وسألوا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل – والحلقة هو السلاح بجميع أنواعه فاحتملوا من أموالهم ما استقلت الإبل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف – عتبة الباب العليا – بينه فيصنعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام”.
ويشير هذا الحوار التاريخي إلى المؤامرة على اغتيال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما حاوله أعداء الدين من اليهود لما وجدوا أن الفرصة قد أتيحت وهيأت لهم فها هو رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-بين أيديهم وبجوار جدارهم؛ فتآمروا على قتله بإلقاء صخرة عليه. وفي هذه اللحظة وبعد ما دبر اليهود مؤامرتهم ينزل جبريل فيخبر رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-بما حدث وبما نقضوا من العهد فينجيه الله تبارك وتعالى من بين أيديهم وينصرف رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى المدينة ويلحق به أصحابه،وحين سأل الصحابة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عن عودته إلى المدينة أخبرهم بما حدث من خيانة وغدر اليهود.
كما يلفت الحوار إلى إعطاء الأجل والفرصة لبني النضير كي يرحلوا عن المدينة فأرسل رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- محمد بن مسلمة يخبر اليهود بإجلائهم عن المدينة.
كما ينبه الحوار إلى دور المنافقين في الكيد للإسلام فقد وافق اليهود من بني النضير على الجلاء، إلا أن المنافقين قووا نفوسهم ليقاتلوا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحصون، وأنهم سينضمون إليهم عند ذلك إلا أن المنافقين لم يفعلوا ووقع بنو النضير في شر أعمالهم. ثم الترهيب وقذف الرعب في القلوب فلقد أحرق رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-بعض نخل بني النضير، يقول السهيلي في الروض الأنف ” فلما قال بنو النضير ما قالوا وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شيء، حتى أنزل الله تعالى قوله ” مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ” (الحشر 5) واللينة ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني، ففي هذه الآية أن النبي لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس وكان يقتاتون العجوة “وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وآخر ما يلفت إليه الحوار هو إجلاء بني النضير ورحيلهم بجميع أموالهم وأولادهم ونسائهم:وفي ذلك يقول اليعقوبي في تاريخه “ثم بعد ذلك وبعد التسليم أذن لهم رسول الله بأن يأخذوا أموالهم وأولادهم ونساءهم دون أن يمس أحد منهم ورحلوا إلى خيبر وهي مدينة يهودية حصينة على مسيرة أيام قليلة من المدينة”.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.