السخي قريب من الله حكايات عربية للعبرة والتسلية 6

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:
جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيل من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الخلق كرم، ويحض عليه في قوله وفعله، فيقول عليه الصلاة والسلام: “تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر وفاتح له كلما افتقر”. وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط، فقال لا. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل”. وقال بعض السلف: منع الموجود سوء ظن بالمعبود. تلا قوله تعالى: “وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين”.

كريم حتى في بعد موته
ومن الروايات العجيبة في الكرم ما ورد في كتاب ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي: أن قوماً من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم يزورونه فباتوا عند قبره فرأى رجل منهم صاحب القبر في المنام وهو يقول له هل لك أن تبيعني بعيرك بنجيبي وكان الميت قد خلف نجيباً وكان للرائي بعير سمين فقال نعم وباعه في النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما عقد البيع عمد صاحب القبر إلى البعير فنحره في النوم فانتبه الرائي من نومه فوجد الدم يسيح من نحر بعيره فقام وأتم نحره وقطع لحمه وطبخوه وأكلوه ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق سائرون استقبلهم ركب فتقدم منهم شاب فنادى هل فيكم فلان فقال صاحب البعير نعم ها أنا فلان ابن فلان فقال هل بعت من فلان الميت شيئاً؟ قال: نعم بعته بعيري بنجيبه في النوم، فقال هذا نجيبه فخذه وأنا ولده وقد رأيته في النوم وهو يقول: إن كنت ولدي فادفع نجيبي إلى فلان فانظر إلى هذا الرجل الكريم كيف أكرم أضيافه بعد موته.

الله يربي الصدقات
ومما يروى عن الكرم وما يعود به على صاحبه ما رواه ابن عساكر في كتاب ( تاريخ دمشق) أن سوار صاحب رحبة سوار قال: انصرفت يوما من دار المهدي فلما دخلت منزلي دعوت بالغداء فجاشت نفسي فأمرت به فرد ثم دعوت بالنرد ودعوت جارية لي ألاعبها فلم تطب نفسي بذلك فدخلت للقائلة فلم يأخذني النوم فنهضت أمرت ببغلة لي شبهاء فأسرجت فركبتها. فلما خرجت استقبلني وكيل لي ومعه مال فقلت ما هذا فقال ألفا درهم جبيتها من مستغلك الجديد قلت امسكها معك واتبعني. فخليت رأس البغلة حتى عبرت الجسر ثم مضيت في شارع دار الرقيق حتى انتهيت إلى الصحراء ثم رجعت إلى باب الأنبار فطوفت فلما صرت في شارع باب الأنبار انتهيت إلى باب دار نظيف عليه شجرة وعلى الباب خادم فوقفت وقد عطشنا فقلت للخادم أعندك ماء تسقينيه قال نعم وقام فأخرج قلة نظيفة حيرية طيبة الرائحة عليها منديل فناولني فشربت وحضر وقت العصر فدخلت مسجدا على الباب فصليت فيه.
فلما قضيت صلاتي إذا أنا بأعمى يتلمس الطريق، فقلت: ما تريد يا هذا؟ قال إياك أريد! قلت: وما حاجتك، فجاء حتى قعد إلى فقال: شممت منك رائحة الطيب، فظننت أنك من أهل النعيم فأردت أن ألقي إليك شيئا. فقلت: قل قال: أترى باب هذا القصر؟ قلت: نعم، قال: هذا قصر كان لأبي فباعه، وخرج إلى خراسان وخرجت معه، فزالت عنه النعم التي كنا فيها فقدمت هذه المدينة، فأتيت صاحب الدار لأسأله شيئا يصلني به، وأصير إلى سوار، فإنه كان صديقا لأبي قلت: ومن أبوك؟ قال: فلان ابن فلان قال: فإذا هو كان أصدق الناس لي، فقلت: له يا هذا فإن الله عز وجل قد أتاك بسوار، ومنعه الطعام والنوم حتى جاء به فأقعده بين يديك. ثم دعوت الوكيل فأخذت الدراهم منه ودفعتها إليه، وقلت له: إذا كان غدا فصر إلى منزلي، ثم مضيت فقلت ما أحدث أمير المؤمنين المهدي بشيء أظرف من هذا.
فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه فحدثته فأعجبه فأمر بألفي دينار فأحضرت، فقال ادفعها إلى الأعمى. فنهضت، فقال: اجلس أعليك دين؟ قلت: نعم قال: كم دينك؟ قلت: خمسون ألف دينار فأمسك وجعل يحدثني ساعة ثم قال: امض إلى منزلك فصرت إلى منزلي فإذا خادم معه خمسون ألف دينار فقال: يقول لك أمير المؤمنين اقض بها دينك قال: فقبضتها.
فلما كان من الغد أبطأ علي المكفوف وأتاني رسول المهدي يدعوني فجئته، فقال: فكرت في أمرك، فقلت: تقضي دينه ثم تحتاج إلى الحيلة والقرض وقد أمرت لك بخمسين ألف أخرى. قال: فقبضتها وانصرفت!
فأتاني المكفوف فدفعت إليه الألفي الدينار وقلت قد رزق الله بكرمه- بإسداء المعروف إليك – بأضعاف ذلك، ثم أعكيته شيئا آخر من مالي، وجهزته وانصرف.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

سبعة عشر − إحدى عشر =