السعودية تخلع أسمال التقاليد البالية وترتدي ثوب المستقبل

ما كان لليابان وكوريا الجنوبية والصين وسنغافورة وفنلندا وغيرها من الدول التي ليس لديها أي ثروات طبيعية أن تتقدم لو لم تعمل على استغلال مواردها البشرية في المجالات كافة، متخلية في ذلك عن عادات وتقاليد كانت تحاصر مجتمعاتها ولها سطوة اكثر من الدين، بل وُظف الدين في بعضها لمصلحة الأعراف البالية، لا سيما في منع نصف المجتمع من المشاركة في العمل والنهضة الاقتصادية.
هذه الحالة التي كانت موجودة في تلك الدول قبل نحو نصف قرن أغرقتها في التخلف والأزمات، ليس لأن التقاليد كانت تتعارض مع الطبيعة البشرية والتعاليم الدينية فقط، بل لأنها أصبحت أقوى منها، وهو ما عانت منه بعض الدول العربية في العقود الماضية، لكن عندما تيسر لهذه الدول قادة كبار تغيرت المعادلة، فأعطيت المرأة حقها في المشاركة وفقا لما ينسجم مع الدين الإسلامي الذي يحض على العمل، وأن تكون المرأة شريكة الرجل في الانتاج.
في العالم العربي لدينا امثلة عدة عن دول استطاعت مواكبة العصر عبر تحررها من العادات والتقاليد، فهذه الإمارات العربية المتحدة التي فضلت المستقبل على عتمة الماضي التي لو كانت لا تزال قابعة بها، لما رأينا هذه التجربة الوحدوية الناجحة، ولا المشاريع العملاقة والتقدم على المستويات كافة الذي تشهده، وكذلك البحرين والكويت التي افسحت منذ زمن طويل في المجال للمرأة أن تضطلع بدورها الطبيعي في المجالات كافة، غير عابئة بالاصوات المعارضة لهذه المشاركة لأنها اصوات تخاف من تطور المجتمع.
لا شك ان المملكة العربية السعودية دولة عظيمة على المستويات كافة، ولديها الامكانات الهائلة التي تجعلها واحدة من الدول الفاعلة في القرار العالمي، وإذا كانت الدول التي اعتمدت على مواردها البشرية حققت هذا التقدم الهائل في المجالات كافة، خصوصا الاقتصادية، فكيف إذا توفرت لمجتمع ما الثروات الطبيعية والإمكانات البشرية والقدرات الخلاقة، وفوق هذا وذاك القيادة العظيمة؟
المراقب لحركة التطور التي تشهدها السعودية، خصوصا في العامين الماضيين من عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يرى عملية دمج ممنهجة وحكيمة بين القدرات الابداعية والثروات الطبيعية، وتوظيف عناصر المجتمع كافة لخدمة السير نحو المستقبل، وهو ما تجلى اخيرا في الامر السامي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة الذي يزيد من رقعة مشاركتها في الانتاج.
لاشك ان ذلك ما كان ليتحقق لو استمرت العادات والتقاليد تتحكم بالمجتمع، فقبل سنوات مثلا كنا نرى المحتسبين يحاولون فرض سطوتهم بقوة العصا على الناس فيما لم يكن هؤلاء الذين ولدوا مسلمين وتربوا على تعالم الدين الحنيف بحاجة لتلك العصا لاثبات تقواهم، ولهذا حين كُفَّت أيدي المحتسبين هلل الشارع السعودي لذلك، تماما كما فرح اليوم للامر السامي الذي لاقى ترحيبا واسعا في مختلف دول العالم.
طوال العقود الماضية شاركت المرأة السعودية، ضمن الامكانات المتاحة، لها في عملية بناء المؤسسات، ووصلت إلى مراتب وظيفية عليا، وكان لها دورها في مجلس الشورى وكبريات الشركات، حتى أنها تدير عشرات مليارات الريالات في البورصة التي ترأسها امرأة، ورغم ذلك كانت تعوقها بعض الحدود التي فرضتها العادات والتقاليد، ما ادى الى زيادة الاكلاف المالية على الأسر، وعند كل محاولة للتخلص من تلك القيود البالية كان المتزمتون يعملون على تعطيل دور نصف المجتمع من أجل الابقاء على سطوة الرجل، وليس كما يتحججون أن ذلك توقير للمرأة.
ولأن يد الله مع الجماعة فان المملكة اليوم بحاجة الى مساهمة كل أبنائها، رجالا ونساء، في حركتها النهضوية، وعلى هذه القناعة بنيت الاجراءات التي اتخذت في العامين الماضيين، وكلها تصب في مسار تهيئة الناس لرؤية “السعودية 2030” التي ستؤدي الى نقلة نوعية كبيرة في المجالات كافة.
كل هذه التطورات الإيجابية نتيجة الأيدي القوية التي تخط القرارات التاريخية، وهو ما شهدناه في “عاصفة الحزم” و”عملية إعادة الأمل” وفي فتح الاسواق أمام المستثمرين، والقمة العربية –الإسلامية- الأميركية التي جمعت فيها المملكة 54 دولة، ولهذا يمكننا القول إننا منذ يناير العام 2015 ونحن كل شهر تقريبا امام مفاجأة مفرحة من الملك سلمان وولي عهده الامير محمد بن سلمان، وكل هذه القرارات تثبت جدواها في مصلحة المجتمع السعودي.

أحمد الجارالله