السعودية… دعه يعمل… دعه يمر

0 25

أحمد عبد العزيز الجارالله

“دعه يعمل … دعه يمر” قد يصلح هذا المبدأ ترجمة للقرارات التي اعتمدتها القيادة السعودية لبدء تنويع مصادر الدخل، وإزالة الصورة غير الواقعية عن هذه القارة الغنية بالموارد الطبيعية والثروات المعدنية، إضافة إلى مكانتها الدينية.
حتى الأمس القريب كان يعتقد كثيرون أن السعودية مجرد حقل نفط فقط، وللأسف هذه الصورة رسمتها طبيعة الأوضاع التي سادت المنطقة في العام 1979 والتطرف الذي أطلقت وحشه ثورة الخميني في المنطقة ككل، وقبلها الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية بعد العام 1975، والتحولات التي تسببت بها الطفرة المالية جراء ارتفاع أسعار النفط، كما برزت على هامشها قيود اجتماعية مخالفة لطبيعة المجتمع.
ولأن الانفتاح الاقتصادي لا يمكن أن يتم بالصورة الصحيحة بلا معالجة المعوقات الاجتماعية، كانت قرارات القيادة منسجمة مع خطتها لتطوير المملكة بما يتناسب مع وضعيها الجغرافي والاقتصادي.
من هذا المنطلق لاقى اعتماد برنامج التخصيص الذي أقره مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ترحيباً كبيراً من المستثمرين وأبناء المملكة، واعتبر الخطوة الأهم في الخروج من مأزق الاعتماد على النفط، طوال العقود الخمسة الماضية، الذي تسبب بإهمال الثروات الأخرى، لا سيما المعادن، إضافة إلى السياحة الداخلية.
فالمجتمع السعودي اليوم تحرر من ربقة المحتسبين الذين مارسوا التجسس على الناس، ومنعوهم من الفرح، وكشفوا أستارهم، فيما ديننا يحثنا على الستر، ولقد تنفس السعوديون الصعداء وعادوا إلى فرحهم البريء.
من الثوابت في تجارب العديد من الدول أن فتح السوق وتسهيل حركة الناس وانسياب البضائع الدافع الأول لتطور اقتصادات كثيرة، لم يشترط فيها أن يكون الخبير أو العامل الكفؤ ممن يرتدون الزي الوطني لهذه الدولة أو تلك، فبعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت اليابان على التكنولوجيا الأميركية في البداية إلى أن طورت أدواتها، وكذلك فعلت الصين قبل نحو ثلاثة عقود، حين شعرت قيادتها أنها مقبلة على مأزق اقتصادي كبير فاستعانت بخبراء أجانب لتطوير أساليبها، ولم يشعر أي من مواطنيها بالإهانة، ولا استثيرت نوازعه العنصرية في هذا الشأن، كما لم يشترط أن يكون الخبير، كما الحال عندنا اليوم، ممن يعتمرون الغترة والعقال أو الشماغ، ولا أن يفرض توطين الوظائف حتى لو كان الموظف غير مؤهل لتلك الوظيفة.
كذلك فعلت ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول حين اتخذت قرارات مصيرية كبيرة في مجال رفع نسبة مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات، فيما تفرغت الحكومات للرقابة والتنظيم، وكلها استوحت أفكارها من المبدأ الاقتصادي الذي وضعه المفكر الفرنسي فانسان دي جورناي في منتصف القرن الثامن عشر.
للأسف، هناك بعض الدول الخليجية التي لا تزال تدور في حلقة مفرغة، فهي لم تستفد من إرثها الثقافي، مثل الكويت، التي تتخلف عن محاكاة العصر بسلسلة قرارات لا شك تؤدي إلى الجوع والعوز، على العكس من الانفتاح السعودي، أو المتانة الاقتصادية الإماراتية، فتلك الدول تقفل الأبواب على نفسها وكأنها اختارت الخروج من حركة التطور، فيما المزاج العالمي كله يتغير.
اليوم في المنطقة، هناك نقيضان، الأول نموذج الانغلاق الكويتي، والثاني الانفتاح السعودي والإماراتي والبحريني، الذي لا شك سيكون منسجماً مع المستقبل، ويعيد لهذه القارة العظيمة دورها الحيوي في العالم، فيما لا عزاء لمن يدخلون دهاليز الدوران في حلقة مفرغة.

You might also like