السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… في أوشفيتز

0 366

كتب – أحمد الجارالله:

قيم الإسلام ثابتة لا تقبل الازدواجية، ولأنه دين يقوم على التسامح والتآخي استنادا إلى الآية الكريمة «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليم خبير» كانت زيارة الوفد الرفيع من رابطة العالم الإسلامي، من كل المذاهب، برئاسة أمينها العام محمد العيسى إلى معسكر أوشفيتز في بولندا حيث النصب التذكاري لضحايا المحرقة النازية التي ذهب ضحيتها نحو ستة ملايين يهودي.
هذه الزيارة أكدت على سماحة الدين الحنيف، وعلى أنه دين الحوار، على العكس من الصورة المشوهة التي رسمها عنه المتطرفون والتيارات السياسية المتحزبة في أذهان العالم، بعد إعلان قرار تقسيم فلسطين في عام 1948، وتحول القضية إلى تجارة سياسية، وشعارات بالية، كتلك التي رفعها جمال عبدالناصر من مثل «سنرمي اليهود في البحر ليعودوا من حيث أتوا»، فهلل له قادة فلسطينيون، واغتروا به فيما تكشف لاحقا أنه مجرد «كليشيه» لتمرير الانقلاب على الملك فاروق، وبدء استغلال قضية فلسطين في الانقلابات على الأنظمة العربية لاحقا.
في تلك المرحلة وبدلا من تفرغ العرب لاستيعاب الصدمة والعمل على تخليص الشعب الفلسطيني من براثن الاحتلال، عمدوا الى تغذية الكيان الوليد بوسائل الحياة، أكان من خلال الضغط على مواطنيهم اليهود، ومضايقتهم واتهامهم بالعمالة، وفتح أبواب الهجرة أمامهم، أو من خلال رفع شعارات الإبادة، في وقت كان العالم لا يزال يعاني من آثار النازية التي أهلكت 70 مليون نسمة في حرب عالمية.
لا شك أن المتطرفين المسلمين والعرب، وفي مقدمهم «الإخوان» والتيارات الشوفينية استفادت من القضية العادلة في تسويق نفسها وحصد الجماهير المؤيدة، حتى أصبح العالم العربي كله ينادي برمي اليهود في البحر، بينما كانت هذه الشعارات تزيد من حماية القوى الكبرى لإسرائيل ودعمها بالمال والسلاح، وتحصين مركزها السياسي في المنظمات الدولية.
لم يكن أحد من العرب يجرؤ على معارضة تلك الشعارات، حتى عندما وجد جمال عبدالناصر نفسه محاصرا بالواقعية السياسية الدولية، في ما عرف يومها بمبادرة روجرز، لم يجد بدا من قبولها، لكن في المقابل عمد إلى تجييش المنظمات الفلسطينية حتى جاءت هزيمة عام 1967 وكشفت ضعف القوة العسكرية العربية التي لم تكن أكثر من أداة لقمع الشعوب.
كل هذا بدأ بالتغير مع نهاية حرب أكتوبر عام 1973، والإنجاز التاريخي للرئيس أنور السادات الذي كسر حاجز الخوف العربي، وقام بواحدة من أهم الزيارات الى القدس، التي أعقبها التوقيع على اتفاقية» كامب ديفيد»، لادراكه أن السلام وحده يضع حدا لمأساة الشعب الفلسطيني، ويحصر اسرائيل ضمن حدود، يومذاك، خوَّن العرب السادات، عدا قلة من الدول التي لم تأخذها حماسة الشعارات.
للأسف لم يدرك العرب إلا متأخرين عدم قدرتهم على إزالة إسرائيل من الوجود، وأنها باتت دولة قوية، بل محمية من المجتمع الدولي، فيما هم لا يزالون يدعون من على المنابر إلى موتها والقضاء على اليهود، في وقت كانت تعمل مراكزها العلمية ومعاملها على تطوير صناعاتها وحضورها في العالم، أي بمعنى آخر كان العرب يزدادون ضعفا وتشرذما، فيما هؤلاء يتفرغون للعمل، ويتوسعون.
هذه الحقيقة كانت ماثلة في ذهن صانع القرار القطري في تسعينيات القرن الماضي حين أقدمت الدوحة على خطوة شجاعة بإقامة علاقات مع إسرائيل، ومن بعدها سلطنة عمان، وأثبتتا أن السلام في الشرق الأوسط يتطلب هذا النوع من الخطوات الجبارة، لا سيما أن كل المبادرات العربية للصلح كانت تغرق في المساومات ولعبة المصالح الخاصة، في هذه الاثناء بدأ العربي يصحو من أوهام القضاء على اسرائيل، وأن العداء لليهود هو صناعة التيارات المتطرفة، ولا علاقة له بالدين الحنيف.
اليوم حين يقف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في اوشفيتز ويقول: «ببولندا نؤكد تجريمنا الشديد لتلك الفظائع الوحشية أيا كان فاعلها وأيا كان ضحيتها فالإسلام دين عدالة بقيم ثابتة لا تزدوج معاييرها»، فانه يضع النقاط على الحروف الحقيقية للرسالة الإسلامية، متحدثا باسم المسلمين، سنة وشيعة، فيما الذين يتاجرون بالقضية، يهتفون بوقاحة موصوفة :» قاسم سليماني شهيد القدس»، هؤلاء ليسوا فلسطينيين، ولا عربا، ولا يريدون إنهاء معاناة الفلسطينيين.

You might also like