السلطان قابوس مهندس خرائط طريق الحلول الحكيمة

0 59

في الوقت الذي كان يتقاتل فلسطينيون على أزقة مخيم المية والمية في جنوب لبنان، كان هناك من يفتح الأبواب من أجل خلاص الشعب المنكوب من مأساته التي تسبب بها قادة عرب جعلوا من القضية الفلسطينية ممراً لتزعُّم العالم العربي، وفلسطينيون جعلوها سلعة رابحة للاستثمار.
طوال سبعين عاماً لم يستمع العرب لصوت العقل، ولم يدركوا أنهم لن يستطيعوا تحرير الأرض ورمي اليهود في البحر، أو إعادتهم من حيث أتوا بالحماسة والشعر والشعارات، ولا أيضاً بالإرهاب واستعداء العالم الذي يفهم لغة المصالح أكثر بكثير من العواطف، ولهذا ذهبت كل المحاولات أدراج الرياح لأن سيف التخوين كان مصلتاً على رقاب عقلاء هذه الأمة.
اليوم حين يستقبل سلطان عمان قابوس بن سعيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فإنه يضع التسوية على سكة الحل الذي طال الحديث عنه، لكن لم تكن هناك أي خطوات فعلية من أجله، بل محاولات ممجوجة في سبيل الاستثمار أكثر بالدم الفلسطيني، في مقابل حصارات ومآسٍ إنسانية يعيشها يومياً كل الفلسطينيين، سواء أكان في الداخل أم الشتات.
في أواخر ستينات القرن الماضي، وبعدما جرَّب جمال عبدالناصر كل أساليب التثوير والتعبئة لجعل القضية بوابته إلى زعامة العالم العربي، ونقل عدوى الانقلابات إلى بقية دوله، وصل إلى قناعة أن الواقعية الحقيقية تكمن في البحث عن تسوية سلمية تنهي الصراع، وتحافظ على حد أدنى من الأراضي الفلسطينية القابلة لأن تكون دولة، وعلى هذا الأساس تلقف مبادرة روجرز، غير أن أوركسترا التخوين العربية فعلت فعلها حينها، ولم تنفع ثلاث حروب خاسرة خاضتها مصر حينها في إقناع العرب بعدم قدرتهم على فرض الحل بالقوة العسكرية، ما دفعه في نهاية المطاف إلى الرضوخ والتراجع عن موقفه.
قبلها كان الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة قد تعرض لحملة تخوين مشينة بسبب قوله في الضفة الغربية إن الطريق إلى الحل يكون عبر التسوية السلمية، وبدلاً من ذلك لجأت منظمات وجبهات إلى الإرهاب كوسيلة للضغط على العالم، فابتدعت خطف الطائرات المدنية، وتفجير أماكن الترفيه، وخطف الرهائن، وبدلاً من جلب التعاطف العالمي بات يُنظر إلى الفلسطيني في العالم على أنه إرهابي.
بعد كسر السادات حاجز الخوف وإحباط حملات التخوين، بدأت ترتسم في العالم العربي صورة أخرى، أكثر واقعية، تقوم على مبدأ المزيد من إشارات السلام ومبادراته، ولهذا جاءت معاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، فيما كان أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني يجري اتصالات علنية مع تل أبيب، ويفتح مكتباً لتمثيل المصالح القطرية في إسرائيل، والأخيرة تفتح مكتب تمثيل تجارياً في الدوحة، ودافع الشيخ حمد بن خليفة عن رؤيته وموقفه، ولم يتعرض لأي حملة تخوين في هذا الشأن.
في خضم هذه الصورة السوداوية كان لابد من تحرك يستند إلى رؤية بعيدة المدى، وهو ما أقدم عليه الرئيس المصري الراحل أنور السادات في حرب العام 1973 التي جاءت لتحرك المياه الراكدة وانتهت بالصلح بين مصر وإسرائيل على قاعدة تأسيس حكم ذاتي فلسطيني، ودفع إسرائيل إلى الزاوية لجهة تصوير نفسها أنها الساعية إلى السلام فيما العرب لا يريدون ذلك.
السادات كان في ذلك سابقاً عصره، ومدركاً أن إعادة عقارب الساعة للوراء مستحيلة، غير أن المقاطعة العربية لمصر، وتصويرها أنها تبيع القضية، أبقت المسألة في المربع الأول، بل زادت من التخلي الدولي عن الفلسطينيين، فيما هناك أنظمة عربية جعلت القضية شماعة لها في زيادة قبضتها على الحكم، ومراكمة ثروات الحكام تحت عنوان المجهود الحربي والتحرير.
طوال السبعين عاماً أطلق العقلاء مبادرات كثيرة، وكانت أكثرها واقعية مبادرة الملك فهد بعد لقاء في مدينة كانكون المكسيكية مع الرئيس الأميركي، وقتذاك، رونالد ريغان الذي قال للملك: “نحن نتعامل مع موقف إسرائيلي واحد، وهو سعيهم إلى السلام بينما في العالم العربي هناك 22 وجهة نظر، وكلها لا تؤدي إلى نتيجة إذا أردنا السير بالحل، وإذا كنتم تريدون إثبات أن إسرائيل ترفض السلام فعليكم تقديم وجهة نظر واحدة”، فجاءت المبادرة التي أقرتها قمة فاس وقتذاك، لكن بدلاً من تلقفها والعمل عليها، سارعت بعض الدول التي وافقت على المبادرة إلى مهاجمة الملك فهد إلى حد إخراج السعودية كلها من العروبة والإسلام.
في العام 2002 كانت هناك، أيضا، مبادرة الملك عبدالله التي تحولت مبادرة عربية في قمة بيروت، لكن أيضا أشهرت حراب التخوين ضد السعودية، ومن الدول ذاتها التي وافقت على القبول بتلك المبادرة، فيما كان دم الفلسطينيين يتفرق بين المصالح الانتهازية العربية والإقليمية، لا سيما بعدما تحولت بعض المنظمات إلى التحدث بلكنة فارسية تحت تأثير المال الإيراني، بعدما وجدت منظمات فلسطينية في إيران الخمينية وجهة جديدة للاستثمار، وباعت القضية لها، بل راحت تزايد على العرب إلى حد أن الإيرانيين استطاعوا زرع الفتن المذهبية والطائفية في تربة القضية، وراحوا طوال العقود الأربعة الماضية يستثمرون فيها عربياً، من دون أن يتبصر الفلسطينيون المأزق الذي يدفعهم إليه الإيراني، الذي يجلس اليوم على ركام البيوت المهدمة في قطاع غزة ويصفق للدماء الفلسطينية التي تذهب هدراً في صراعات الأزقة بالمخيمات.
هذه الصورة كانت الدافع الأول لحكيم العرب، وراسم خرائط الطرق إلى الحلول الواقعية السلطان قابوس بن سعيد أن يعمل من خلف الكواليس، وبعيداً عن جعجعة الشعارات لوضع القضية على سكة الحل، وينهي عصراً من الكوارث في العالم العربي تسببت به عمليات الهروب إلى الأمام والتَّستُّر بالشعارات.

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.