السودان سلة خبز العرب … لا تضيعوها

0 267

أحمد عبد العزيز الجارالله

هل ما يجري في السودان هو دفع البلد الى المجهول؟
يحضر هذا السؤال في ذهن أي مراقب يتابع الحال السياسية المتأزمة التي فجرتها أحزاب لا مشروع لديها إلا السعي للإمساك بزمام السلطة، ومن ثم الطوفان.
هذا ما بات واضحا بعد ما يزيد على شهر من الاضطرابات والتظاهرات والمواجهات التي لا تخلو من الدموية، فيما لا أحد من الموالاة أو المعارضة قدم مشروع حل للأزمة، إذ هناك شعار واحد مرفوع وهو رحيل البشير.
السودان في الحسابات الاقتصادية يعتبر من أغنى البلدان العربية والافريقية، وهو سلة الغذاء للعالم العربي، ولديه ثروة حيوانية هائلة، يمكنها أن تشكل دخلا قوميا كبيرا، إضافة إلى النفط والمعادن، والمياه. وبالتالي فإن الحديث عن الجوع في بلد مثل هذا لا يمكن إلا أن يعزى الى سوء الإدارة بسبب الصراع الدائم على السلطة الذي لم يسترح منه السودان طوال ستة عقود.
اليوم أمام السودانيين تجارب عربية وغير عربية عدة يمكن الاستفادة منها في منع انهيار بلدهم، خصوصا أن الانقلابات والثورات أورثت العرب دولا مدمرة، وبات من الضروري التعلم من تجارب الاخرين.
لقد دخل العالم العربي منذ الانقلاب الناصري في عام 1952 أتون الحروب الاهلية سواء أكان في العراق عبر ما سمي ثورة تموز في عام 1958، ولعبة المحاور التي سعى إليها عبدالناصر، فأسقط العراقيين في براثن الصراع الداخلي، ولم تستقر بلادهم حتى يومنا هذا، بل انها تتجه إلى التقسيم الواقعي، او في لبنان حيث اصطدمت الناصرية مع الحكم الشمعوني ما أدى إلى حرب أهلية صغيرة عام 1958، افقدت هذا البلد توازناته السياسية في وقت كان يسعى فيه إلى تحصين اقتصاده ووضعه الداخلي.
في ذلك الوقت كانت العقيدة السياسية لعبدالناصر تقوم على تثوير الشعوب على أنظمتها، من أجل تكريس نفسه زعيما على العرب كافة، فخاض حربا في اليمن أدت إلى تقسيمه، وسقطت هذه الدول في فخ الصراعات الداخلية، ما أدى إلى تراجع الثقة الدولية فيها من جهة، وعدم الاستثمار في دول تعاني أزمات سياسية مستمرة، خصوصا بعدما سادت قناعة لدى الضباط أن الذي يستيقظ أولاً ينقلب على الحكم.
في كل هذه الدول غابت الإدارة الاقتصادية، وتفرغت الأحزاب للصراع السياسي والعسكري، ولم يكن السودان بعيداً عن ذلك، فشهد انقلابات وثورات لا تعد ولا تحصى.
لذلك ثمة الكثير من الأسئلة حول من سيتولى زمام الأمر في حال اسقط نظام البشير، وهل ستكتفي الأحزاب المتناحرة بذلك، أم أنها ستدخل في حروب بين بعضها بعضا كي يستتب الأمر في نهاية المطاف لحزب فيحكم، خصوصا أن لكل واحد في الداخل دولة داعمة في الخارج، وبطبيعة الحال لهذه الدول الداعمة مصالحها، فهي ليست جمعيات خيرية.
كان من الممكن تحويل هذه الأزمة الاقتصادية والمالية فرصة للسودانيين لاعادة النظر في الإدارة واستغلال ثروات البلاد من أجل رفاهية الشعب، ونقل الصراع الى المؤسسات الدستورية وجعله تنافساً على خدمة مستقبل البلد، وليس تحويل السودان صومالا آخر، أو عراقا مرتهنا لقوى اقليمية طائفية معروفة الأهداف، ولا لبناناً اسير نزوات ملالي طهران، او يمناً يسعى الحوثي إلى تغيير ثقافته الاجتماعية تلبية لرغبات ولي فقيه فارسي يترنح اليوم تحت ضربات الغضب الشعبي الداخلي.
الحل في السودان ليس برحيل البشير، بل بالعمل الجماعي على النهوض بالبلد، والنظر إلى ثرواته الطبيعية، لكي يكون فعلا سلة غذاء العالم العربي وأفريقيا، لا ان يتحول مأوى للجماعات الإرهابية حين يسقط النظام الحالي ويتفرق دم السودانيين بين الأحزاب.

You might also like