السودان في انتظار البرهان وحميدتي… أيهما نجيب والآخر عبدالناصر؟ قراءة في واقع الحراك الشعبي وتوجهاته في المرحلة المقبلة

0 320

* الإمعان في مطلب “قوى التغيير” تسليم المجلس العسكري السلطة لحكومة مدنية كان نوعاً من القفز غير المحسوب فوق الواقع
* صراعات الأقطاب خيّبت آمال أطياف الشعب المتطلعة إلى نسائم الحرية والتعبير منذ خمسينات القرن الماضي
* البشير نفذ حُكْم الإعدام رمياً بالرصاص بثمانية وعشرين من خيرة الضباط في رسالة “حجّاجية” للعسكر والسياسيين
* الترابي رسم للبشير سيناريو القضاء على الحُكْم المدني برئاسة المهدي على أن يصبح مرشد السلطة كما الصيغة الإيرانية
* العسكريون تصرّفوا بعقلانية حتى لا يظهر تحركهم كأنه انقلاب… وإنما إزاحتها بالحُسنى وبأقل الأضرار
* التلويحات العصيانية مجرد انتفاضة لكثرة الموجوعين وقلة من الجائعين مُنحوا الفرصة لظهور قيادات حزبية قديمة لها مآربها
* الإلغاء يجر إلى الإلغاء والاجتثاث يفرز ما هو أشد إيذاءً والبديل التعايش وتبادل الاعتذار وبدء الكتابة في صفحة جديدة
* حل الأزمة كان يتطلب وفداً من رموز حراك الميادين والمجلس العسكري يزور القاهرة طالباً من أمين الجامعة العربية التحرك

بقلم: فؤاد مطر

السودان الخائر.. الثائر.. الحائر في انتظار أي الزوليْن “البرهان وحميدتي”، أيهما محمد نجيب، وأيهما عبدالناصر؟. من حق السودانيين، كما سائر بني الأمتيْن المنتسبين إلى العالم الثالث المحتاج للغذاء والسلاح من دول كبرى، أن يغضبوا إذا شعروا عوَجاً في حكامهم، وأن يرتفع منسوب الغضب إذا تركهم هؤلاء الحكام يواجهون أزمات في الحد الأدنى من المطالب وبالذات الرغيف والبنزين والدواء، وأن ينزلوا إلى الشوارع شاهرين حناجرهم إذا هم شعروا بأن حاكمهم ساهٍ عنهم منزعج من غضبهم.
ومن حق المجتمع السياسي السوداني العريق أن يسجل وقفات إزاء التفرُّد في الحُكْم عندما لا يأخذ الحاكم في الاعتبار التنوع الحزبي الراسخة جذور أطيافه، من إسلاميين وليبراليين، ويمينيين ويساريين، فيقرر هؤلاء تعبئة محازيبهم بعدما لم تُحقق التصريحات والمشاورات داخل السودان بتحفظ وخارج السودان بأعلى الصوت النتائج المرجوة.
الذي حدث مع بداية العام 2019 وكيف أن تعامُل الحاكم مع الأزمة والاستهانة بمطالب السودانيين والثقة المفرطة في النفس، وعدم الاقتناع بأن الصدر السوداني ضاق من طول بقاء حاكمه في سدة الرئاسة يجددها مرة وثانية وثالثة، ورابعة، وخامسة، إذا تمكَّن على أساس أنه ما دام التجديد الأول هو الصعب ولقد حدث فإن أي تجديد يليه يأخذ منحى التسليم بالأمر الواقع.
يوماً بعد يوم، كان الغضب العفوي يتزايد، وبات المشهد قريب الشبه بالذي حدث قبل ذلك في ميدان التحرير في القاهرة، ويتزامن مع مثيل له يحدث في الجزائر. حراك عفوي لا قيادة له وإنما رؤوس كثيرة، وأما الهدف فإنه لا خلاف عليه: “الحرية والتغيير”.
على مدى نصف قرن عايشت فيها الحلو والمر في المسيرة السياسية للسودان من شماله إلى جنوبه ومن خلال صداقات ربطتْني بالأنصاريين كما بالختميين والشيوعيين والإسلاميين والبعثيين كما الناصريين، كانت تجربة ثرية ورحبة، لجهة جلسات النقاش مع إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب والصادق المهدي والدكتور حسن الترابي والشريف حسين الهندي وعبدالخالق محجوب، والشيخ علي عبدالرحمن، والسيدة فاطمة إبراهيم والشفيع أحمد الشيخ والرئيس جعفر نميري والفريق أول عبدالرحمن سوار الذهب وعشرات القياديين المدنيين والعسكريين ورموز العمل الديبلوماسي والإعلامي.
وإلى ذلك كانت حصة الاهتمامات السودانية من جانبي ثلاثة مؤلفات حتى الآن لعل أهمها “الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم انتحر” ثم “سنوات نميري بحلوها ومرها”، فثالث المؤلفات “المصالحة الوطنية الثانية في السودان.. انتكسوها أم انتكست”.. وذلك في انتظار الكتاب الرابع الذي هو بعنوان “السودان الخائر.. الثائر.. الحائر”.

اختلاط الحابل بالنابل
مؤلفات تعكس في مضامينها أحوال السودان الخائر، ثم الثائر وصولاً إلى السودان الحائر نحو ما هو حاصل بعد اختلاط الحابل المدني بالنابل العسكري، فبات المشهد أقرب إلى شباك الصيادين التي يحتاج فك عُقدها إلى نصحاء مخلصين حادبين على السودان، الذي هو في أشد الحاجة إلى إبراء جرَّاء سهام تكسرت نصال على نصال في كيانه الذي أنهكتْه الحساسيات في الخمسينات فبقي خائراً، ثم اقتحم الميدان عام 1964 رؤساء الأحزاب في انتفاضة بيضاء سال فيها عن غير قصْد دم طالب واحد، وعندما باتوا في مواقع السلطة تبهر الناظرين وقفتهم التذكارية، الصادق المهدي الأول إلى اليمين وعبدالخالق محجوب الأول إلى اليسار، وبينهما الشيخ علي عبدالرحمن ومحمد أحمد محجوب وإسماعيل الأزهري وحسن الترابي وفاطمة إبراهيم، لكنهم ما لبثوا أن خيَّبوا بصراعاتهم، كما توأم الحال في لبنان راهناً، الأطياف المتطلعة إلى نعيم استنشاق نسائم الحرية والتعبير التي قلص مساحتها المجلس العسكري الذي قاده الجنرال إبراهيم عبود مع مشاركة مدنية خجولة، وهذه الخيبة انحسرت بعض الشيء مع مجموعة من الضباط الرواد يتقدمهم عقيد مسكون بحلم اقتباس تجربة ثورة 23 يوليو في مصر من دون التأمل بعمق في بعض سلبيات السنوات الست عشرة من تلك الثورة.

انقلاب محجوب
ثم كانت الصدمة الأُولى المتمثلة بمحاولة انقلاب من جانب عبدالخالق محجوب وبعض الضباط الذين بدورهم لم يتعظوا مع أنهم لو تأملوا في أكثر من عبرة لكانوا اعتبروا ولكانت تجربة “25 مايو 1969” لم تزهق أرواح عبدالخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، ومجموعة من الضباط الذين لو استحضروا حقبة السودان الخائر في زمن إبراهيم عبود وجنرالاته لكانوا آثروا التبصر بالأمور على الاندفاعة الانقلابية ولم تُرق على أعتاب المؤسسة العسكرية دماء سُفحت بموجب محاكمة صيغت أحكامها من قبْل أن تبدأ.. تماماً على نحو المحاكمة التي ارتبطت بالفريق عمر حسن البشير الذي ما أن انقضت بضعة أشهر على إنهائه بعمل انقلابي بطبعة ترابية أفضل صيغة مدنية ديمقراطية للسودان برئاسة الأوكسفوردي الصادق المهدي في مثل هذه الأيام من العام 1989، حتى ارتأى إبلاغ العساكر والمدنيين على حد سواء رسالة حجَّاجية وذلك بتنفيذ حُكْم الإعدام رمياً بالرصاص يوم الثلاثاء 24 أبريل 1990 بثمانية وعشرين من خيرة ضباط السودان، بينهم ثلاثة بالمعاش برتبة لواء وعميد بالمعاش وعقيدا أركان حرب وعقيدان وأربعة برتبة مقدم وأربعة برتبة رائد وعقيد بالمعاش ومقدم بالمعاش ورائد طيار ورائدان بالمعاش ونقيب طيار ونقيب.
يومها لاحظتُ وجوماً على وجوه إخواننا السودانيين لم يسبق أن كان بهذا الأسى، ربما أراد البشير بفعله المبغوض هذا ضد زملاء السلاح إبلاغ العسكر والسياسيين بأن عليهم ألاّ يفكروا بالعمل ضد سلطانه وبأن مَن يخالف الانضباط والقوانين العسكرية، ويعمل ضد النظام الذي يترأسه سيلقى المصير نفسه وكان في ذلك يخالف واقع حاله، ذلك أنه شخصياً فعل ما أقدم عليه الثمانية والعشرون ضابطاً مع فارق أن هؤلاء انكشف أمرهم، أو ربما ليس إلى جانبهم عقل مخطِّط من نوع عقل الشيخ حسن الترابي الذي رسم للبشير سيناريو القضاء على الحُكْم المدني الذي يترأسه الصادق المهدي نسيب الترابي، على أن يصبح الشيخ هو رئيس السلطة كما الصيغة الإيرانية والبشير حاميها يمارس بالجيش دور الحرس الثوري.
ومن هنا فإن الترابي يتقاسم وزر هذه التصفية المريعة لثمانية وعشرين ضابطاً سودانياً حاولوا القيام بانقلاب على منقلب على الشرعية، وأستحضر لهذه المناسبة كلاماً قلته بصيغة ملطفة لبعض المحيطين “الثنائي الإنقاذي” البشير والترابي ثم نشرْته في مقالة في مجلة “التضامن” بعنوان “لم يعْدُل عمر.. كيف سيحكم عمر”، ولكنه حَكَم وبقي في السدة بمجموع سنوات رؤساء العهود الأربعة الذين حكموا من قبْل ولم يكونوا في المحصلة النهائية عند حُسْن المأمول منهم بدليل تدرُّج السودان من إخفاق إلى إخفاق(*). كيف وهو كما الترابي من الجماعات الإسلامية الإخوانية لم يأخذ بقول الرسول (ص) “أشد الناس عذاباً يوم القيامة مَن أشركه الله في سلطانه فجار في حُكْمه”.

6 في انتظار أي الزوليْن
“البرهان وحميدتي” أيهما محمد نجيب.. وأيهما عبدالناصر؟ هناك ست أراها بحكم متابعتي للشأن السوداني عن قرب على النحو التالي:
– الملاحظة الأُولى: كان من مصلحة الجميع لمجرد أن تم الإعلان رسمياً عن “اقتلاع” الرئيس البشير وهي مفردة غير مسبوقة الاستعمال وأخف إيلاماً من “الخلْع” وإيداعه في ملاذ آمن، اعتبار صفحة الشخص قد طويت وبالتالي عدم تضييع الوقت في حراك منقوص الرؤية، وترْك القادة العسكريين يتبادلون الأفكار ثم يتشاورون بهدوء وبمسؤولية ومن دون شروط صعبة من هنا وشروط أكثر تعقيداً من طرف أو أطراف أُخرى مع رموز المجتمع السياسي المدني.
– الملاحظة الثانية: الأخذ في الاعتبار والتسليم بأن القيادات العسكرية كانت هي التي صاحبة دور ملحوظ في حسْم الأمر وبالتالي فإن الإمعان في مطلب تسليم السلطة وأن يكون القرار في أيدي حكومة مدنية كان نوعاً من القفز غير المحسوب فوق الواقع، فضلاً عن أنه يشكِّل نوعاً من التحفيز لهذه القيادات على أن تزداد ثباتاً على رؤيتها.
وثمة مسألة نفسية من المهم أخذْها في الاعتبار وهي أن هذه القيادات من العائلة السودانية الكبيرة بمعنى أن الجميع سودانيون، عساكر ومحتجون، كما أن الجانبيْن انصهرا في لحظة الخطر فبات القادة العسكريون كما الجمع المدني بتنوع أطيافه قوة ضغط ترجمها العسكريون أهدأ ترجمة من خلال أعقل تصرُّف، بحيث لم تأخذ شكل إنقلاب على السلطة، وإنما إزاحتها بالحسنى وبأقل الأضرار وذلك لأن رأس الهرم في السلطة هو ابن المؤسسة العسكرية، وبالتالي فهناك أصول يؤخذ بها في ساعات الشدة من جانب القائد العسكري الثابت في حق القائد العسكري التي أوجبت المعادلة الاحتجاجية المدنية- العسكرية إنهاء عهده، فضلاً عن الأمر الأهم وهو أن الرئيس عمر البشير ليس فقط إبن المؤسسة العسكرية وإنما هو ابن قاعدة شعبية وحزبية عريضة في السودان.
وفي حال هدأت الأمور وأُجريت انتخابات فإن الطيف الحزبي والإسلامي الذي حكم الرئيس البشير تحت مظلته، كما الرئيس الراحل حافظ الأسد تحت المظلة البعثية، سيكون له حضوره النوعي ربما في الطبعة الجديدة من الحياة السياسية في السودان الحائر.
– الملاحظة الثالثة: ياليت الهتافات الثورية والتلويحات العصيانية طويت، فالذي جرى مجرد انتفاضة لكثرة من الموجوعين وقلة من الجائعين وجمهور عريض من الذين لا عمل لهم، وبذلك باتت مزيجاً من الجدية والحراك الفولكلوري، وهؤلاء شكَّلوا خير فرصة لقيادات حزبية قديمة ولنخبة من المثقفين وأصحاب الاختصاص يتطلعون إلى فرص في المدار القيادي، يضخون الميادين بأفكار وهتافات، ثم عندما تبدأ جولة من التشاور يتصرفون على النحو غير الموضوعي، بعضهم يريد تهميش المجتمع الحزبي السياسي والديني التقليدي وبعضهم يلوِّح بشروط تستهدف التقليل من دور القادة العسكريين الذين حسموا أمر الرهان غير الدقيق للرئيس البشير على أن الجيش معه، وذلك بإنحياز محسوب ومتدرج وعقلاني إلى جانب الغاضبين في الميادين.
ومِثْل هذا التلويح بالشروط وذلك السعي للتهميش لن يتحقق لأسباب موضوعية، فالمجتمع الحزبي الفاعل في السودان جذوره راسخة، أنصارية كانت هذه الجذور أو ختمية أو إخوانية، وهذه الجذور كانت عصية على قطْعها من جانب الجنرال إبراهيم عبود رئيس السودان الخائر ثم من جانب رئيس السودان الثائر بطبعتيْه النميرية والبشيرية، وإذا كانت حدثت بعض الاختراقات فإنها كانت عابرة.
وحده الفريق عبدالرحمن سوار الذهب قرأ عمق الحقيقة، فرأى أنه إذا بقي في سدة الرئاسة، فإنه سيحكم بطبيعة الحال كعسكري وسيتصرف مع المجتمع الحزبي المشار إليه كما تصرُّف رفيقيْ السلاح من قبْل عبود ونميري، لذا ارتأى الانصراف بكامل إرادته وصفاء بصيرته وترْك الأحزاب تتخبط وتسجل مرة أُخرى إخفاقاً سببه أن هذه الأحزاب تتعايش ما دامت في موقع الاعتراض لكنها تتصارع إذا باتت في الحُكْم.
البشير ومبارك وبن علي
وهذا ما سبق حدوثه في الانتفاضة الشعبية الأُولى التي عُرفت “ثورة أكتوبر 1964” وكانت ممارسات الغاضبين فيها أكثر تعقلاً من الانتفاضة الراهنة التي بدأت حراكاً متقطعاً وبأعداد قليلة ضد عزْم البشير على تجديد رئاسته، ثم باتت تجمعات هائلة تملأ الجو صراخــــاً ودخانــــاً من إطارات مطاطية أحرقوها ضد مجلس عسكري له نصف الفضل في إزاحة الرئيس المغضوب عليه، اقتلاعاً كان ذلك أو استضافة في حمى القيادة العسكرية الأُولى، وربما تأثراً بالصيغة التي سبق عتمادها في مصر مع الرئيس حسني مبارك الذي جرى الأخذ في الاعتبار بعد انصرافه طوعاً أنه لم يغادر البلاد كما على سبيل المثال جنرال تونس زين العابدين بن علي الذي انتزع السلطة من الرئيس الحبيب بورقيبة، كما انتزاع الجنرال عمر البشير السلطة من الصادق المهدي وشتت شمله وقواعده، ثم إن حسني مبارك، وهذا هو الأهم، ابن المؤسسة العسكرية وأحد رموز النصر النوعي الذي حققتْه مصر الساداتية في حرب أكتوبر 1973 حيث إنه كان قائد سرب الطائرات التي وجهت الضربة الصاعقة والمفاجئة للجيش الإسرائيلي. مثل هذا الدور لم يُكتب للبشير دور مماثل في سجله العسكري.
– الملاحظة الرابعة: في حال الأخذ بانتقال رموز من الحراك الشعبي إلى كراسي السلطة من خلال تشكيل حكومة، فإن المجتمع الدولي سينتظر طويلاً لكي يتقبل الوضع المستجد ويتعاون معه، وأما دول الاقتدار العربي فإنها ستتريث كثيراً في حال كانت الحكومة ستكون خلطة تضم ممثلي الأحزاب التقليدية ومعهم بطبيعة الحال ممثل الحزب الشيوعي الذي نشط كثيراً في ميادين الاعتراض وحزب “البعث” والطيف الناصري وبعض غير الحزبيين من النخبة.
وقياساً بظروف العلاقة ماضياً، فإن الإنسجام بين هذه الدول وقادة الأحزاب المشار إليها إما مفقود وإما فاتر، في حين أن دول الإقتدار وبالذات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ما أن ألمَّت بالسودان الظروف العاصفة حتى سارعت إلى إتخاذ وقفة مساندة نوعية ورأت في الممسكين بالقيادة أنهم الطرف الذي يمكن إحاطته بالمساندة والكلام معه على أساس أنه يمثِّل سلطة متماسكة هي الجيش السوداني فيما جماعة الحراك متنوعو الانتمـــــــاءات والأهـــــداف والعلاقات ومن المبكر اعتبارهم السلطة المأمولة. وبعد فترة استقرار يأخذ الشريك المدني دوره المأمول.

أسطوانة الإلغاء
– الملاحظة الخامسة: هنالك علو في الأصوات وغلو في الرؤى من جانب أطراف تنادي بالويل والثبور لعهد مضى وإنزال عقوبة الإلغاء في العهد الآتي وغير المنظورة معالمه حتى إشعار آخر، إن اسطوانة الإلغاء وبأصوات صارخة كما التهميش صدحت في زمن السودان الخائر ثم السودان الثائر بحقبتيْه “المايوية” و”الإنقاذية” وكان عائدها متاعب وعدم استقرار وأحياناً جولات من البغضاء على حساب الوحدة الوطنية.
من هنا فإن الإلغاء ليس حلاً بل إنه عداوة شأنه شأن الاجتثاث الـــــذي ما زال قضية أساسية في نفوس البعض من رموز العمل السياسي والحزبي فــــــي العراق، فكما الدم يستسقي الدم فإن الإلغاء يجر إلى إلغاء والاجتثاث يفرز ما هو أشد إيذاء من الجتثاث، كما أن الانقلاب يعقبه انقلاب فانقلابات، إلى أن يأخذ الوعي والسلوك الديمقراطي مكانهما في النفوس، على هذا الأساس إن البديل هو التعايش وتبادُل الاعتذار وبدء الكتابة في صفحة جديدة.
وتبقى سادسة الملاحظات في انتظار الحسْم النهائي في شأن أصحاب الأدوار الحاسمة بمعنى مَن هو محمد نجيب ومن هو عبدالناصر في المجلس العسكري وإن كانت الملامح بدأت تتكون في الأفق، هي أن ما كان المرء يتمنى حدوثه، ومن قبْل أن يدخل المحادد الأثيوبي على خط الوساطة بين أهل البلد الواحد خلافاً للمألوف بأن الوساطات تتم بين طرفيْن كل في وطن، هو أن يشكِّل رموز حراك الميادين والمجلس العسكري وفداً منهم يزور القاهرة طالباً من الأمين العام للجامعة العربية بذْل مسعى يكون مدعوماً بطبيعة الحال من الحُكْم المصري والطرف السعودي- الإمارتي المبادر إلى المساندة، وبذلك تتقدم اللهفة العربية على اللهفة الأثيوبية، أما وأن الجار الأفريقي حقق للمصاب العربي- الأفريقي ما كان مأمولاً من الأخ العربي تحقيقه، فإن الشكر واجب للذي توسط وأنجـــــز عن جدارة صيغة تسوية أكد فيها أنه “أخو أخوان” بالفعل.
خالص الدعاء لأولي الأمر في السودان الحائر بعدما أخذت الصحوة حقها بتقاسم السلطة وعلى قاعدة المدني أخو إخوان العسكري يتفهم الأول واقع الحال ويحمي الثاني الوطن وأبناءه من عاديات الزمن. والله المعين.

من التظاهرات أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم
You might also like