السودان… 62 عاماً من الانقلابات والحروب

0 399

أحمد عبد العزيز الجارالله

يوصف السودان بسلة غذاء العالم العربي، ومنجم معادن تجعله من أغنى الدول، فيما شعبه يعيش في جوع بسبب غياب الإدارة الصحيحة جرّاء سلسلة من الانقلابات بلغت 11 انقلابا في 62 عاماً هو تاريخ هذا البلد العربي الكبير مع التوترات، التي أدت إلى تقسيمه، فانفصل الجنوب عن الشمال، وبرزت حركة تمرد في إقليم دارفور مطالبة بالاستقلال.
طوال العقود الستة الماضية لم ينعم السودان بالاستقرار السياسي بسبب الصراع الداخلي على السلطة، وهو ما دفع إلى وضع اقتصادي سيىء للغاية، فتراكمت المشكلات لكن إغراء السلطة كان اقوى من الانصراف إلى معالجتها فجاء انقلاب إبراهيم عبود على الحكم المدني متماهيا مع شعارات الناصرية التي بدأت معها مرحلة عدم الاستقرار العربي، ومن يومها دخلت الخرطوم نفق الأزمات.
ومنذ ذلك الحين، أسقطت الفرصة التاريخية في تحول البلاد قوة اقتصادية عربية فاعلة، لانصراف الضباط الانقلابيين إلى الصراع بينهم على المناصب وفي هذه الأجواء أسقط النميري زميله عبود، ومعه بدأت مرحلة الانقلابات التي تحولت لاحقا حروبا أهلية.
في ثمانينات القرن الماضي، اتفق القادة العرب في إحدى القمم على دعم السودان بأربعة مليارات دولار، من أجل تحديث البنية التحتية والبدء في تنفيذ مشاريع زراعية كبرى تحقق له اكتفاء غذائيا ذاتيا، وتلبي الحاجات العربية، غير أن هذا المشروع مات في مهده بسبب الانتفاضة الشعبية التي أدت إلى سقوط النظام وتولي العسكري سوار الذهب الحكم.
يضاف إلى ذلك أن السودان كان يعيش على صفيح ساخن من التدخلات الدولية والإقليمية، ما حوَّله بؤرة توتر نتيجة تحرك الأيدي القذرة الساعية إلى إشغال العالم العربي كله بالتوترات الداخلية عبر استغلال الأوضاع المعيشية السيئة تارة، والتناقضات السياسية تارة أخرى، للتسلل منها إلى الإمساك بالحكم، وبأضعف الإيمان أن تكون مأوى لتلك الجماعات، تماما مثل ما كانت السودان قبل نحو ربع قرن قاعدة لاسامة بن لادن انطلق منها في مشروعه الإرهابي.
كل هذا التاريخ من عدم الاستقرار جعل المستثمرين السودانيين يهربون من بلدهم، فيما أحجم العرب والأجانب عن دخول سوق غير آمنة، وهو ما ساعد أيضا على زيادة حدة الازمات الاقتصادية التي مابرح يعاني منها منذ ستة عقود.
المراقب للوضع خلال العقود الثلاثة الماضية يرى إلى أي مدى كانت المعاناة صعبة، خصوصا في ما يتعلق بالحرب في الجنوب، والموقف الدولي من الشمال، ورغم ذلك حاولت القيادة السودانية الخروج من عنق الزجاجة بأقل الخسائر، وبدأت تلوح في الأفق بوادر لعهد اقتصادي جديد، غير أن كل ذلك بات في مهب الريح اليوم جرّاء الازمة الخانقة المستجدة التي تذكي نارها التدخلات الإقليمية والدولية الرامية إلى إدخال البلاد في أتون صراع دموي.
ما يساعد على احتدام الصراع ذلك التنوع الحزبي الكبير الذي يستند إلى أسس قبلية في جانب منه، وفي الجانب الآخر إلى الولاءات الحزبية الإقليمية، ما يعني أن أي طرف سيتسلم الحكم في حال نجحت الانتفاضة الحالية سيجد نفسه في مواجهة مسلحة مع بقية الأطراف لأن إغراء السلطة أكبر بكثير من استقرار الوطن، وهذا ما قد يؤدي الى حرب اهلية جديدة بين المكونات المختلفة سياسيا على من يقود الاحتجاجات ويوظفها لمصلحته.

You might also like