السيسي.. وإجراءات تعليم الصيد

قليلة هي الأدوية الخالية من طعم المرارة التي لا بد منها لشفاء الجسد من سقم أصابه لأسباب عدة، والألم الذي حملته الإجراءات الاقتصادية الأخيرة للحكومة المصرية، هي خطوات علاجية تأخرت كثيراً، إذ كان يجب البدء بها فور استرداد الحكم من خاطفيه الإخوان المسلمين، حتى يكون التعافي سياسياً – اقتصادياً في الوقت نفسه، وإعادة الثقة الدولية بمصر.
قرارات الحكومة المصرية بتحرير سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه أولى الخطوات لتنشيط الحركة الاستثمارية في البلاد وزيادة الصادرات ما يعني إعادة الحياة إلى الصناعة التي ضربتها قرارات التأميم الناصرية بمقتل، وكذلك تنشيط الزراعة وترميم ما خربه قانون الإصلاح الزراعي الذي وقف أمامه كل من أنور السادات وحسني مبارك عاجزين بسبب ما أدى إليه من تحولات جذرية في المجتمع.
إذا كانت مرحلة حكم الرئيس أنور السادات ومن بعده الرئيس حسني مبارك فترة نقاهة للاقتصاد، فإن الخطوات التي أقدم عليها الرئيس عبدالفتاح السيسي وحكومته تساعد على إخراج مصر من دوامة الهدر نحو تحسين الأداء لتعود إلى المسار الصحيح للتطور.
لا شك أن هذا التطور لن يستكمل إلا بقانون عصري لتشجيع الاستثمار، يقدم للمستثمرين الأجانب التسهيلات اللازمة ويترجم نتائج مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي ويوجد فرص عمل للمصريين، إضافة إلى رفع درجة التصنيف الائتماني، وفقاً لنصائح البنك الدولي الذي لا يمكن أن يقدم على منح قروض يدرك الخبراء فيه أنها ستذهب هدراً أو تتبخر في الدعومات والمحافظة على ثبات سعر صرف العملة الوطنية.
لا شك أن مهمة الزعيم الساعي إلى إنهاض بلده وشعبه تكمن في العمل وفقاً للمثل القائل “علمني الصيد ولا تعطني كل يوم سمكة”، فالاعتماد الكلي على القطاع العام تحت عنوان الاشتراكية أثبت فشله، وزاد من ترهل المؤسسات المؤممة إلى حد انها خرجت من منظومة الإنتاج كلياً، فانتقلت مصر من موقع المصدر للسلع وباتت تستورد نحو 75 في المئة منها، وارتفع معدل الهجرة من الأرياف فتقلصت المساحات الزراعية حتى انهارت منظومة الاكتفاء الذاتي الغذائي، وما تفعله حكومة الرئيس السيسي اليوم هو أنها تنهي عصر توزيع السمك وتعلم المصريين الصيد، وهذا، بوجه عام، هدف تنشده كل الحكومات الساعية للقضاء على آفات استحكمت بمجتمعاتها نتيجة قرارات خطأ اتخذت في السابق لإرضاء حفنة من المستفيدين على حساب الغالبية الشعبية.
ما ستوفره مصر من تعويم الجنيه وتحرير أسعار الوقود يصل إلى نحو 60 مليار جنيه ستوظفه لعلاج مشكلات عدة تسببت بها الأحداث في السنوات الخمس الماضية، ومنها الإسكان، ورفع الرواتب أو التقديمات للأشد عوزاً، ورغم أن هناك من سيستغل هذه الإجراءات لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، ويتاجر فيها، لا سيما جماعة “الإخوان” والمتضررين من استقرار مصر، إلا أن هذا لن يكون له أي تأثير إذا أحسنت الحكومة شرح فوائد تلك الإجراءات أمام الرأي العام عبر حملة إعلامية واسعة.
الاقتصاد المصري ركن أساسي في الاقتصادات العربية ومعالجة أمراضه تعني تعافي العرب ككل، والقرارات الجريئة التي اتخذها وسيتخذها الرئيس عبدالفتاح السيسي تضع مصر على أبواب مرحلة جديدة مختلفة كلياً عما عرفناه في السابق.
وهو إذا كان تردد سابقاً بالإقدام عليها بسبب خوفه من رد الفعل السلبي، فإن الوضع القائم فرض عليه أن يعمل الذي لا مفر منه.
بهذه القرارات الجذرية والحاسمة، نكون أمام زعامة تاريخية جديدة تحمي الغلابة فعلاً وليس قولاً أو بالشعارات. زعامة قادرة على التصدي لمن يريد تخريب مصر وزعزعة الثقة الدولية فيها، ولذلك إذا كانت هناك بعض القسوة في الإجراءات فهي من أجل تقويم اعوجاج كاد يكسر ظهر مصر.

أحمد عبد العزيز الجارالله

Print Friendly