هوسٌ بلغ حد الإدمان

السيلفي… جنّن العالم هوسٌ بلغ حد الإدمان

القاهرة – نرمين عصام الدين:
لم تعد صور « السيلفي « قاصرة على عالم الأصدقاء، والمناسبات السعيدة كالأفراح وأعياد الميلاد وعند تبادل الهدايا التذكارية ولقاء المشاهير، بل تحول الأمر إلى ما يشبه الهوس، حيث أصبح البعض يلتقطها في اللحظات الغريبة كغُرف العمليات، الرعاية المركزة، المقابر، دور العزاء، أثناء تأدية العبادات، مع المدير عند اجراء مقابلة شخصية للتقدم لوظيفة.
حول هوس ودوافع «السيلفي» أجرت «السياسة»، هذا التحقيق مع عدد من المتخصصين.
« كل لحظة التقط لنفسي السيلفي، وكم أتمنى أن التقط صورة لي أثناء تأدية الامتحان، واذا سمح المراقب لي، سأفعل»، بتلك الكلمات عبّر الحُسين فؤاد طالب بجامعة الاسكندرية، عن رغبته المٌلحة وشغفه المستمر الذي بدأ منذ سنتين مع شرائه هاتفه الجديد، مشيرا إلى تعرضه للضرب بعدما بدأ في التقاط السيلفي أثناء عزاء، من حينها انصرف عن الفكرة تماماً.
تقول نجوى علي، ثلاثينية، باحثة بجامعة القاهرة: كنت ألتقط السيلفي لاظهار نقاط جمال الوجه والملامح، كنت أخاف عند عرض الصورة على الصفحة الشخصية من كتابة تعليقات ساخرة أو غير ملائمة، كرهت السيلفي لأني شعرت في لحظة ما بـ «العيب»، لاستنزاف الوقت في أمور تافهة.
وتقول تقي مجدي، طالبة بجامعة الفيوم، مُلقبة بـ «ملكة السيلفي» على «فيس بوك»: ساعد في انتشار صور السيلفي امكانية التعديل على الصور، ظهور الكاميرات الأمامية، استخدام برامج الفوتوشوب، مع انتشار الظاهرة بدأت تظهر مسابقات أجمل سيلفي وأكثرها شجاعة وغرابة، وهو ما شجعني على دخول هذه المسابقات والاقبال على هذه النوعية من الصور، لدرجة أن بلغ عدد صور السيلفي بهاتفي المحمول أكثر من ألفي صورة، خصوصا في الأفراح، ولكني أرفض التصوير في المناسبات المؤسفة، باعتباره سلوكا غير انساني، ولايماني بأنه لا بد من وجود ضوابط أخلاقية للتعامل مع فن التصوير عموماً والسيلفي تحديدا.

هوس السيلفي
يعرف الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، جامعة عين شمس، الهوس بأنه مرض عقلي، يصاب به شخص زائد النشاط والطاقة، يظهر على هيئة الأحاديث الكثيرة، عدم الاستغراق في النوم وقتا كافِيا، الحركة الزائدة، التدخين زحمة الأفكار وتزايدها بشكل عشوائي، وادمان صور السيلفي يعد من الهوس ولكنه من النوع الخفيف، وساعد في انتشاره الرغبة في تقليد الغرب، وأن كانت الفتيات الأكثر اقبالا عليه في الشرق عن الذكور، حيث يجدن فيها وسيلة لتفريغ الطاقة غير المستهلكة أو علاجا للحرمان العاطفي الذي يعانين منه، كذلك النرجسية الشخصية التي تتمكن من أغلب الفتيات، ممثلة في الاعجاب بالذات، والرغبة في اظهار جمالهن للناس.
وعن من يلتقطون لأنفسهم صور في أماكن وأوقات غير مألوفة يقول : من يقدم على تصوير نفسه بأماكن ومواضع جريئة، وهو يفعل ذلك كنوع من التفاخر، اظهار الجرأة والشجاعة في غير موضعها، قد تؤدي إلى المهالك، اضافة إلى تنزليها على صفحاتهم الشخصية كوسيلة من أجل استعراض طبقي وشخصي. أما التقاط السيلفي في المناسبات واللحظات المؤسفة، والحرجة، فيعود إلى انخفاض الثقافة، ضحالة مستوىات التفكير، وهو ما يعرف بـ «البهيمية» في التصرفات من حيث التقليد الأعمى، ما يعكس الاصابة بأنواع الهوس الأخرى، لأنه ناتج عن تقليد وليس لأسباب وراثية، مشيرا إلى أن العلاج الأول والأخير يكمن في اتباع خطط والسير على برامج زمنية محددة، مثل، ارتفاع مستوى الثقافة والوعي بخطورة «عادة الاسراف» على المدى القريب والبعيد.
وقت مٌمتع
عن سبب انتشار تلك العادة، يقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، الجامعة الأميركية: هناك عوامل أساسية لانتشار ذلك السلوك الذي أصبح عادة يتبعها ويقلدها الكثيرون، وليس سلوكا فرديا في فترات معينة، من بينها تعمد الشخص اظهار لحظاته السعيدة، استعراض المكانة الاجتماعية أو الصفات الانسانية، كاظهار العطف والاحسان، قضاء أوقات ممتعة برفقة الأهل والأصدقاء وزملاء العمل، ساعد على انتشارها مواقع التواصل الاجتماعي التي تستخدم برامج ذاتية لتعديل الصور، والكتابة عليها فأصبحت مثل الألعاب التي يستمتع بها الأطفال لمتعتها وسهولة استخدامها.
عن نسب الاصابة بهوس «السيلفي» يرى أن الفتيات تمثل 80 في المئة في الاقبال على هذا النوع من الصور وتنافسهن الشخصي على أجمل صورة، السبب الذي من خلاله حرص بعضهن على احتراف الكثير من البرامج وعلى رأسها برامج التصميم والفوتوشوب، مشيرا إلى أن ذلك النوع من الهوس مرتبط أكثر بالتكنولوجيا وتأثيرها المطلق على مستوى العالم، وكثير من الباحثين لا يعتبرونه مرضا نفسيا لكنه مواكبة وتسجيل للأحداث المتدفقة التي وفرتها التقنية.
البرمجة اللغوية
عن رأي البرمجة اللغوية والعصبية لتفسير انتشار الظاهرة، يشير الدكتور أحمد نشأت إلى ان السبب النفسي لميل الناس للسيلفي ينحصر في ممارسة حريتهم والتقاط الصورة بأوضاع وبأوقات مختلفة، موضحا أن علم البرمجة أهتم بتلك الظاهرة، لدراسة الشخصيات وتفسير أفعالها، وتوجيه سلوكها، قبل أن تصل إلى الادمان وهي المرحلة التي يشعر فيها الشخص بالتعب نفسياً عند الامتناع عن التصوير، لان أغلب شخصيات السيلفي تحب الشهرة، دون أهداف محددة للوصول اليها، فيبتكرون المواقف واللحظات الغريبة والطريفة التي تلقي رواجاً كثيراً.
برامج الصور
عن نسبة التطبيقات الهاتفية التي تركز على عالم الصور، يقول محمد كامل، باحث تقني، كل لحظة تزيد تطبيقات الصور على متاجر الهواتف الذكية بعد النجاح والانتشار السريع لتطبيق «ريتريكا» وظهور تطبيق الـ B612، تلك التطبيقات العالمية يكثر استخدامها ويزداد تطورها عند الغرب، تتوقف نسبة الاقبال على التطبيق حسب ابداع المبرمج وامكانيات التطبيق المتاحة، موضحا أن نسبة المبرمجين ازدادت وبدأت في الارتفاع في أواخر 2012، بعد ظهور تطبيقات الأندرويد، والحواسب الشخصية، ما أدى إلى ارتفاع أرباح البرمجة للهواتف الذكية عن نظيرتها للحاسب الشخصي «الديسكتوب»، ما خلق شغفا عند كثير من الشباب لتعلم البرمجة واحترافها.

عمليات التجميل
الغريب أن هناك من يذهب إلى أطباء التجميل بغرض معالجة ما لديه من عيوب تظهر في التصوير، هذا ما يؤكده الدكتور طارق الشافعي، اختصاصي جراحة التجميل والعلاج بالليزر حيث يواصل قائلا: من يأتين لهذا الغرض من النساء تتراوح أعمارهن ما بين 20:27 عام، بنسبة 80 في المئة، في حين لم يتجاوز الذكور نسبة 20 في المئة، وتمثل الأعمار المتقدمة في السن نسبة 1 في المئة، علما بأن فئة المشاهير تلجأ إلى أطباء التجميل على أتفه الأسباب وأبسط العيوب.
وعن أغرب حالة صادفها، يقول : صدمت حين طلبت مني امرأة أربعينية أن أفعل المستحيل لازالة بعض العيوب بوجهها، كان مبررها المؤسف أن أبناءها يرفضون التصوير معها لوجود تلك العيوب، وقد وافقت على رغبتها من دون أي تفكير، لكي أرضيها، وقمت باجراء العملية باستخدام الليزر.

مهرجانات سيلفي
عن صلة السيلفي بالفن الشعبي والمهرجانات، يكشف محمد منصف، مغني مهرجانات، أن فن المهرجانات قائم على الظواهر الجديدة وعادات المجتمع الشبابية، أو حالة معينة بالشارع المصري، بمجرد الظهور يجسدها فن المهرجان، الأغلبية صارت تعاني جنون التقليد لكل شكل من أشكال الموضة، منها السيلفي، لذلك قدمت الظاهرة في فن وقالب فكاهي معين، هذا لا يعني تحريضا أو تناقض أفكار، لأن السيلفي ظاهرة سيطرت على قلب وعقل الجميع، لا تحتاج لأحد لفرضها، مشيرا إلى أن من أشهر من قدم أغنيات عن السيلفي المغني منعم عسلية.

لا يجوز
يرى فرج العادلي، الباحث بكلية الدراسات الاسلامية أن التصوير في حد ذاته جائز للبشر والطير وجميع المخلوقات، أما تطبيقات الهواتف الذكية التي تمكن الشخص من التصوير بالرسم فهو غير جائز؛ لأنه يعتبر تصويرا ونحتا للأجسام؛ مستنكرا التصوير القائم على التقليد، كتقليد الحيوانات، فتح العينين بشكل غريب، رفع حاجب وترك الآخر فلا يجوز، لأن الله خلق الانسان في أحسن تقويم ولا يجوز تشويهه بشكل أو بآخر.
عن التقاط السيلفي في المناسبات المؤلمة، يقول: دخول الهواتف في المستشفيات وأماكن الرعاية حرام شرعا، لأن الأطباء توصلوا إلى أن ذبذبات الهاتف تضر بالمريض، وأي شيء يضر بالمريض حرام، فلا ضرر ولا ضرار، ضرورته ليست أعظم من حياة الانسان، اما التصوير السيلفي بالمقابر فيخالف الحكمة من زيارة المقابر، فالحكمة الأولى والأخيرة هي التذكر والاتعاظ ولين القلوب، لذا يجب احترام مثل تلك الأماكن، فهي ليست أماكن أثرية تلتقط فيها الصور للذكريات، لكنها مقابر تحيط قدسية الأموات، كما أن نشر تلك الصور غير جائز شرعاً، فما الدافع الضروري للتصوير مع انسان أصبح في عالم آخر؟
أما السيلفي عند البكاء، فهذا ينتقل به إلى التمثيل، فمن يمثل البكاء ويصور نفسه فلا حرج في ذلك، لكنه بكاء كاذب، يستدعي ضرورة نفعية، ناصحا من يريد أن يقلع عن التقاط السيلفي عليه بقراءة الرقية الشرعية، أما اذا وصل الأمر إلى الادمان فعليه الذهاب إلى الطبيب النفسي.

Print Friendly