“الشارقة للكتاب” يستذكر حامل المسك … إسماعيل فهد إسماعيل أمسية أدبية تحدث فيها عدد من محبي الراحل الكبير

0 146

الشارقة- جمال بخيت:

استذكر معرض الشارقة للكتاب رائد الرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل في اُمسية أدبية أقيمت في قاعة الفكر بالمعرض .قدم الأمسية الكاتب الإماراتي محسن سليمان، وتحدث فيها بعض رفقاء الراحل وتلاميذه الروائيين. بداية استعرضت الروائية ميس العثمان اخر ايّام الراحل وكيف ترك أثرا عظيما في نفوس كل من عرفوه وتقربوا منه خلال مسيرته الأدبية ،وتحت عنوان” العود إسماعيل ” قالت :
كتبتُ يوما : تزداد معزّة هذه الأرض، الكويت،كلما ضمّت عزيزا علينا تحت ترابها ، فهد العسكر،أحمد البغدادي، عبدالحسين عبدالرضا وأحمد الربعي، الشيخ عبدالله السالم، خلدون النقيب، عبدالله العتيبي، عبدالعزيز النمش،مبارك الحديبي و… إسماعيل فهد إسماعيل:ولم يتوقف منجل الموت عن الحصد من قلوبنا باتجاه الدّفن.
هذه المرّة ،لم يكن سهلا أبدا أن نضرب موعداً مع”بوفهد” لزيارته في مكتبه من دون الاتصال المباشر به،وسماع كلمته الترحيبية : حُيّيتما.
بل كان تنسيق الزيارة الاجتماع مع جمعٍ من الرفقاء الشباب قد تمّ من خلال والدنا رفيق دربه الكاتب محمد جواد،أبومازن.
لم يكن سهلا أبدا ، هذه المرّة ،ألا ينشغل ذهني بسؤالي المعتاد لنفسي : ماذا سنأخذ لإسماعيل ؟ باقة ورد ؟ أصيص زرعٍ مُزهر؟ أم طعاما يُحلي به؟ أم لوحة يعلّقها على جدران روحه ؟
لم يكن هيناً علينا ،عقيل وأنا، هذه المرّة أن نقررالذهاب لمكتبه كزيارة جديدة بينما هو لم يعد هناك منذ 25 سبتمبر الماضي.
كل شيء تغير منذ ذلك النهار ، منذ التاسعة صباح الثلاثاء الذي كان موعده للغياب.
يوم جفّ عِرقٌ في روحي وذوى.
حتى مشوارنا باتجاه موعدنا الخاص ،هذه المرّة كان بارداً،باهتاًومريبا على الأقل بالنسبة لي . تواعدنا مع أصدقائنا في مكتبه الذي يقع في قلب الكويت،في منطقة قديمة تسمى “الصالحية” ،تآخى معها إسماعيل فهد اسماعيل طويلا حتى أنها صارت دلالته، فحين نقول “مكتب اسماعيل” فنحن نعني “الصالحية” حتماً، يعني المَطَلْ الدائم على تلك المقبرة القديمة الـتي تنتظر الطَمْر بانقضاءت المدّة المتعارف عليها…المقبرة التي كثيرا ما سألته عنها، ويروي لي عنها حكايات.
كنا قبل هذه المرّة دائما ما نصل إليه والشمس فاتحة ما تبقى من ذراعيها، تمام الخامسة عصراً، نصعد للدور الثاني حيث يستقبلنا ، يُفتح باب المصعد، أطرقُ بأصابعي ،خاتمي،كمشاغبةٍ يُثيرها سلوكها على زجاج بابه المغبش،يرد صوته الواسع : تفضّل!
نفتح الباب،ندخل عقيل وأنا، يعدّل جلسته المسترخية في القراءة العميقة، يصيح : يا حيّاالله،أهلا بالجميلين. بينما ينهض لتحيتنا،يقبض على كفي الممدودة إليه جيدا، أُطبقُ على كفه بكلتا يدي بدلالة المحبة ،يميل برأسهِ قليلا ،يقبّلُ ظهر كفي بحنان أبٍ رقيقٍ، وكم يخجلني سلوكه ذاك،ويغمرني بلطفه.
هذه المرة
لم نصل مع الشمس
هذه المرة
لم أطرقُ الباب حتى، فقد سبقنا “بو مازن” لفتحه.
هذه المرة
لم يرد صوته بـ : تفضل.
هذه المرة
كنا هناك مجتمعين لنرسم خططا جديدة لأجله، كناعنده في مكانه،وكان معنا.
لكنني دُهشتُ حين لاحظت بأننا نحن السبعة الرفقاء،وبلا اتفاق، تحلّقنا حول مكتبه بوضعِ يقابله تماما وكأنه جالس على مقعده،حتى أنني وياللخيبة كنت حين نبادر بطرح رأيي مع الأصدقاء، تحين مني التفاتة لا إرادية نحو مكانه،مقعده ،وكأنني أريد منه رأيا،رداً،أوحاجباً يرتفع دهشة اواعجاباً او تندراً ، إذ اعتدت على ذلك منه، فإسماعيل مقلّ في الكلام، لكنه يومئ فيما يشعره قبل أن يعطينا رأياً قاطعاً.
هذه المرة
كنا هناك نحن من تربينا كأصدقاء في حضن محبته،كل منّا تعاطى ووداده بشكل مختلف، وجئناهذه المرة لنحيي حضوره ونرسم شكل الآتي كما يحبه ويتصوره بعدما زرع كل صدقه فينا ، لكن المكتب خالٍ ، بارد و… بلا رائحته، كنت أطمئن نفسي،اتمتم: هو هنا… روحه تعيش في مكانه الأحب، هو يسمعنا.. لكنه “مسافر” في عالم لم نزره بعد .
هذه المرة…
دخلنا إليه متأخرين بعد الخامسة عصراً بساعة،ولم نخرج قبل السابعة متعجلين خجلاً من إرباك جدوله المنضبط، الذي نحترم.
هذه المرة ،اجتمعنا سوياً في حضرته، بينما كانت كل زياراتنا السابقة على مدى سنوات طويلة فردية خاصة وشخصية لنستأثر بتركيزة وعطاءاته ،ونحسن تبادلها فيما بيننا, لكن مشروعنا المقبل لــ”متحف إسماعيل” ما يجمعنا متحلقين في مكانه،وهو المنجز الذي نحلم ونعمل به كل الوقت مذ تم الاتفاق على تخصيص بيته من قِبل ورثته كمتحف، وكل ذلك بمجهودات فردية منا نحن محبي إسماعيل،نحن الحزانى بلاشك،لكن هذا الحزن العظيم هو رافدنا للقيام بما يُسعد روحه،وما يُهدي خلاصة منتجاته الفكرية للناس كافة وهذا ما كان يطمح إليه وهكذا عرفناه.
قبل هذه المرة، كنا قد قررنا أن نسافر للشارقة،للمعرض وهو معنا.
حجزنا التذاكر والإقامة،حسبنا كل صغيرة وكبيرة لإراحته،إلا أن موعداً اختاره للمغادرة هو ما كان قد فاتنا،فنحن في غمرة الإثارة ننسى الحزن، ننسى الخوف وننسى الخاطر السيئ.
وختمت العثمان مداخلتها بالقول :هذه المرّة ،رحلة متحققة للشارقة لكن بلا إسماعيل لكنها عنه،جئناكم من الكويت لنحكي لكم عن معلّمٍ في الحياة اسمه إسماعيل فهد إسماعيل،لم يكن يوما معلماً عاديا،بل كان “العظيم إسماعيل” كما اعتدنا نناديه ، “العود” إسماعيل.
وقدم الباحث والكاتب عقيل العيدان ورقة قال في بدايتها :
قِيل لغُصنٍ تُثقِلُه الثِّمار: إنك بَطلْ، فقال الغُصْنُ: البطلُ، هو الجَذْرُ الراقِدُ تحتَ الأرض، يَكْدَحُ ويَشُقُّ الصخرَ، لكي يُعطي للأبطالِ الأزهار وأكاليلَ الغار.وأضاف :
إنها قليلةٌ، حتى لا أقولُ نادرة، هي تلك الأسماءُ الإبداعيةُ المعاصرة، التي أثمَرت في جيلَيْن، على الأقل، من الكتّاب والقرّاء في الكويت وحولِها، مثلما فعل اسماعيل فهد اسماعيل “.
لم يكن الأستاذ إسماعيل، كاتباً مُعلِّماً لجيلٍ أوأكثر من الأجيال الكويتية والعربية فقط، أو أديباً مُبدعاً شكّل انْعِطافاً مهماً في تاريخ الأدب الكويتي والعربي فحسب، أو مثقفاً ملتزماً بقضايا الإنسان والحريّة وترقية الوعي في الكويت المنطقة أيضاً،وإنما جزء أصيل منّا، نحنُ أصدقاؤه وحواريُّوه،قُرّاؤُه ومُتابعُوه. لقد ساهم الأستاذ إسماعيل في تغييرِ وتحسينِ ذواتِنا الأخلاقية، إلى ما نرجو أن ْتكونَ عليه، عندما ضربَ بأدائِهِ وسلوكِهِ العُمُوميّ مثالاً صادقاً كصاحِبِ نفْسٍ “تُرابيَّة” لا تعرف التَّغطرُس والتَّباهي، الكراهية والحقد على أحد، قلّ َشَأنُه أو كَبُر، وهو مما لا نرصُدُه كثيراً في أيامنا الطافحة بالادِّعاء والمُعاداة والشر عموماً. لقد رأيتُه عن كثَب يُعانق ويُصافح، يَبتسم ويُحيِّي، يُخاطِب ويُنْصِت، يُعطي ولا يَمنعُ أحداً من التقرُّب إليه والتعاملِ معه، وهو في كلِّ ذلك بَشوشٌ وَدُود.
الملمحُ الآخر، يتعلّق بالعطاء الكبير للأستاذ إسماعيل وأَخْذِه بيدِ أجيالٍ من المبدعين الكويتيين وغير الكويتيين في الكويت وخارجِها خلال حياته، تصْديقاً للحرية العقلية التي هي أساس الإبداع والعبقرية من جهة، وإيماناً بأقلامِهِم ومَرْئيّاتِهِم وحقِّهِم في قولِ ما يَتُوقون لقولِه، إضاءةً للحقيقة،رُغم نسبيَّتِها، من جهة أخرى. فكان عوناً لهؤلاء بالمالِ كثيراً، وبالتدخّل عبر معارِفِهِ حيناً، وبتقديم المشورةِ والرأي دوماً. ومن ذلك، على سبيل المثال، أن المرحوم الأستاذ إسماعيل فهد إسماعيل، كان هوعَرَّاب الكتاب المُشاغِب الأول، للمفكر الكويتي الشجاع، المرحوم الدكتور أحمد البغدادي، المُعنَون بـ “تجديد الفكر الديني- دعوة لاستخدام العقل، فهو من اسْتحَثّه وشَجّعه أولاً، وأقنعَهُ بالطباعة والتوزيع ثانياً، ثم تدخّل بعلاقاتِه ومعارفِه لنشرِ الكتاب، الممنوع رقابياً، بدار المدى في دمشق. وكلُّ ذلك يوم كان الدكتور أحمد البغدادي بعيداً عن طريقِ التأليف والنشر. ولا يغيب عني ما قد كان لحِبْر ذلك الكتاب”تجديد الفكر الديني” من اشتباكٍ نافعٍ للوعي العربي منذ تَنَاوَلَتهُ الأيدي وحتى الآن. وختم بالقول :
الأستاذ إسماعيل فهد إسماعيل، هو “في ملّتي واعتقادي”، كلمتا أبي العلاء المعري، كان وسيبقى واحداً من أعاظِمِ من مسَكَ القلم وكتَبْ،وتصادَقَ مع الناس وأَحَبْ، في بلدي الكويت، كما في حَوض الخليج والمنطقةِ العربيّةِ أيضاً.
وتحت عنوان “المعلّم الذي أعرف ” قال محمد جواد:
لعلّكم لاتعلمون بأن من يرافق كاتباً فإن عليه أن يتحمّل تبعات هذه الرفقة في اللحظات كلها، تقلباته بين الشدة في التدوين و في مراحل تعسّر الكتابة،إلا إسماعيل فهد إسماعيل فهو السامي على كل اللحظات خلال عمله الأدبي،فهو من الندرة الذين تجدهم في عز محطاتهم الكتابية بكامل الألق والترحيب،فما أن تدخل عليه حتى تعلو وجهه الابتسامة فيستقبلك بعبارات الترحيب بصدق وبهجة، يضع قلمه الرصاص وورقته المخططة التي يستخدمها كدليل مرئي أسفل ورقته الأولى كي لا يزوغ منه السطر ولاتنحرف الكتابة على ورقه الأبيض، وبعد استبدال الورق بالــ ” الحاسوب اللوحي” آيباد ” فإنه يحفظ سريعاً ما كتبه ثم ينهي انشغاله ويتفرغ لك ، للضيف.
إسماعيل لا يعرف التوقف الفكري أو التعلق بتسلسل الفكرة، ولا ينزعج من أن يقطع كل ذلك مرور شخص ما،وكأن كل ما ينوي كتابته موجود ومحفوظ في ذاكرته،حبسه لحظة شروعة بالتفكير الأولي لروايته الجديدة،في كل مرة .وأضاف جواد:
من يرافق إسماعيل فهد ، لا يمل رفقته، لأنه كحامل المسك ، إن لم تشترِ منه فإنك تنال منه العطر، فيوم يبدأ بمشروع الكتابة لا بد أن يكون قد مهّد لنفسه، وسبق الكتابة بقراءات غزيرة ومتنوعة وعميقة، ورغم كونه كاتبا محترفا، غير أنه لا يتوقف عن السؤال للوصول لمعلومة يبحث عنها، ويدقق في بحثه حتى لا تفوته صورة أو كلمة أو ملمح، لأنه حريص على كل شاردة وواردة، فيوم كتب روايته”بعيدا إلى هنا” التي صدرت عام 1997 ورغم معرفته الدقيقة في أحوال المنتهكة حقوقهن من عاملات المنازل في الكويت عبر ما تتناقلنه العاملات أنفسهن ممن يعشن معه أو مع أفراد أسرته الكبيرة من قصص وحكايات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.