الشرق العربي أمام متغيرات حتمية!

داود البصري

يشهد الشرق العربي تحولات مفصلية كبرى في إطار حالات الصراع الساخن الدائر بين الأفكار والتصورات والرؤى المتطاحنة وحالات التشابك القائمة ضمن إطار الرياح التغييرية العاصفة التي تعصف بالشرق الحزين الدامي المتوتر.
فمع تصاعد نيران الصراع السوري، وتعقد مسارات الحلول السياسية، ودخول البلد وجميع الأطراف المتصارعة في معركة كسر عظم حقيقية خلال وبعد معركة خان طومان بريف حلب الجنوبي، التي تكبد فيها الجيش والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الطائفية العاملة معهما خسائر غير مسبوقة جعلت صانعي القرار الإيراني السياسي والعسكري يعيشون حيرة حقيقية، بين خيارات إنسحاب تراجعية قد تكون مدمرة على الوضع الداخلي الإيراني، أو الإستمرار في شحن ودعم وإدارة معركة معقدة وصعبة لا تبدو اي آفاق حقيقية لإحراز حسم فيها، فكان القرار الإيراني الأرجح هو الإستمرار في التصعيد وفي إرسال التعزيزات وفي محاولة السيطرة الكاملة والنهائية على منطقة حلب والتي تحمل دلالات وأبعاداً ليست عسكرية فقط، بل ملحمية وعقائدية لها علاقة صميمية مباشرة بجوهر المشروع التبشيري للنظام الإيراني!
لقد طرأت تطورات كبرى على الوضع العسكري من خلال مصرع قائد أركان عمليات حزب الله اللبناني في سورية وهو الإرهابي الدولي المعروف مصطفى بدر الدين ذو الفقار أو الياس فؤاد صعب الذي قضى ستة أعوام من عمره في سجون الكويت (1984/1990) بعد الحكم عليه وآخرين ومنهم الإرهابي العراقي وقائد الحشد الشعبي الحالي جمال جعفر(أبو مهدي المهندس) بالإعدام، وحيث هرب من السجن مع فيالق الهاربين بعد الغزو العراقي للكويت العام 1990، ليختفي بعدها ولتدور وتجري مياه عديدة تحت كل الجسور وتقوى القدرة التنظيمية واللوجستية لـ «حزب الله» الذي يتحول لقوة عسكرية إيرانية رديفة في المنطقة، وليكون بعد مصرع القائد العسكري والإرهابي العريق عماد مغنية على أبواب المخابرات السورية في دمشق العام 2008، القيادي الثاني في الحزب بعد نصر الله! ، لقد قدم الحزب في معارك سورية خسائر بشرية رهيبة هزت الشارع اللبناني وسط البيئة الحاضنة للحزب في لبنان، هذه المرة لم يقتل القيادي اللبناني في غارة إسرائيلية كما كانت الحال مع سمير القنطار وقبله مغنية وآخرين على إمتداد ساحة وسنوات الصراع المعقد و الطويل.
لقد هزت تلك الضربة الحزب بقوة وشراسة فقد وقع بدر الدين قتيلا بمدافع المعارضة السورية المسلحة التي حققت قفزات نوعية متقدمة في إدارة العمليات جعلتها تغير موازين الصراع رغم قلة الإمكانيات التسليحية للمعارضة مقارنة بالقدرات الروسية والإيرانية وترسانة النظام السوري التي كانت معدة لما كان يسمى الصمود والتصدي والتوازن الستراتيجي.
النظام لا يملك من وسيلة لإدارة الصراع سوى الإيغال والتمتع والتفنن في ضرب المدنيين و تدمير الحواضر السكانية وفق أسلوب همجي إنتقامي حاقد وبائس! كما حصل و يحصل مع مدينة داريا المتاخمة لدمشق، ويبدو أن ماحصل لم يمر بشكل عابر، بل أن قائد القوة البرية الإيرانية العميد أحمد رضا بوردستان أعلن رسميا ان لايحق لأحد الاعتراض على دخول القوات الإيرانية للعراق لتأمين خط الدفاع عن الحدود الإيرانية، وفعلا فقد تم الإعلان عن تجهيز وإعداد خمسة ألوية إيرانية مسلحة ونظام دفاع جوي للدخول للعراق وسط معمعة المعارك الطائفية المحتدمة هناك!، ومن الشمال تتحشد أيضا في تركيا قوات خاصة لبعض دول التحالف للتدخل المباشر في سورية إن إقتضت الضرورات العسكرية والستراتيجية الملحة!
في المنطقة تدور اليوم حروب سرية وعلنية و استخبارية وعسكرية لتقرير شكل وطبيعة المرحلة المقبلة ، فلقد زار وزير المخابرات الإيرانية ( إطلاعات ) محمود علوي العراق زيارة عمل إلتقى خلالها أركان الحكم المتحالف مع طهران وفي طليعتهم نوري المالكي ثم انتقل الوفد الاستخباري الإيراني لكردستان العراق في مهمة تمهد على ما يبدو لتدخل عسكري إيراني أوسع في العراق.
الأيام المقبلة ستشهد تصعيدا خطيرا للصراع في ظل إصرار جميع الأطراف على سباق الزمن لفرض أجندات وشروط لم يعد هناك مجال كبير للمناورة بشأنها، الثورة السورية تتقدم، والنظام الإيراني وحلفائه ينتقلون من هزيمة لمأزق مما يجعل إحتمالات التصعيد تتصاعد بشكل خطير… ومزعج!
إنه سباق المسافات الطويلة لتكريس الفوضى… أو الحسم! صراعات عسكرية- استخبارية مستعرة ستخلط كل صور المشهد الإقليمي المتشابك!

كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com