الشَّعب العراقي يُريد الحياة: “سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه”

0 327

كتب – أحمد الجارالله:

إذا كانت الحكومة العراقية توقعت الاحتجاجات الكبيرة التي انطلقت من بغداد فتلك مصيبة، وإذا لم تكن تتوقعها فالمصيبة أكبر، فالكيل فاض بالعراقيين الذين يشهدون منذ 16 عاما انهيار بلدهم، وتقوُّض اقتصادهم فيما تزداد ثروات المسؤولين الذين أتوا إلى السلطة على ظهر التسويات المحلية، والطائفية، والمصالح الإقليمية، وبدلا من تحويل المظلومية، التي كانوا يتحدثون عنها أيام حكم حزب البعث عدلاً ومساواة بين العراقيين، جعلوها أحد أبواب كهوف علي بابا كي يمارسوا من خلالها ليس النهب الممنهج فقط، بل أيضاً تجيير بلادهم أداة في مشاريع الآخرين حتى عم الفقر والجوع، وسادت الفوضى، وأصبحت الميليشيات الطائفية الحاكم بأمره.
هذا الغضب الشعبي العارم لا يمكن أن يهدأ إذا لم تكن هناك حكومة مسؤولة تتلمس وجع الناس وتداوي الجروح التي تسببت بها المرحلة الماضية، وتستعيد العراق من فم الوحش الإرهابي الإيراني، وتحفظ السيادة الوطنية التي استبيحت على المستويات كافة، وتدرك أن الاستعانة بالمؤسسات الدينية لإسكات الملايين، الذين يتصدون بصدورهم العارية للرصاص الحي، لن تنفعها هذه المرة، فالوضع الحالي لم يسبق أن شهده العراق في أسوأ مراحله، لذلك كانت النقمة الكبيرة على الأوضاع المعيشية والاجتماعية السيئة متوقعة، بل المستغرب أنها تأخرت كثيراً.
في المقابل، بدت ردة فعل رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي، المؤيد لإيران، في أول خطاب له رداً على الاحتجاجات بعيدة عن الواقع ما أدى إلى تفاقم النقمة الشعبية واتساع رقعة القوى السياسية المعارضة للاجراءات القمعية التي اتخذتها الحكومة، وهو مؤشر على حجم الهوة بين الطاقم السياسي الحاكم وغالبية العراقيين الذين خرجوا إلى الشوارع رافضين استمرار الوضع على ما هو عليه، ومؤكدين في هتافاتهم وحدتهم ضد القوى السياسية الممثلة في الحكومة.
اللافت للنظر تلك السذاجة التي يتحدث بها المحللون والسياسيون العراقيون عن أيد خارجية ومؤامرة إقليمية حركت الشارع في وجه حكومة المحاصصة، فهذا الكلام منبعه خيال مريض لا يصدقه مجنون، فكيف بالعقلاء الذين اكتووا بنيران الفساد والمحسوبيات، ورأوا، مثلاً، أن خمسين ألف جندي وهمي في الأجهزة الأمنية يقبضون رواتبهم فيما هم يخدمون في صفوف الأحزاب والميليشيات الطائفية، وكيف تحول بلدهم منصة لتهريب البضائع الإيرانية، وأصبح أكبر مغسلة أموال في الشرق الأوسط، بينما مليارات النفط العراقي تذهب إلى جيوب الأزلام والمحاسيب، وتهرب إلى لبنان وإيران وغيرهما من الدول كي تتنعم بها الطبقة السياسية الحاكمة.
صرخة الجوع عبّرت حقيقة عن وجع العراقيين، وفي التظاهرات عبّرت الهتافات:” بغداد حرة حرة… إيران برا برا” و”سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه” عن تحديد أصل المشكلة التي يعانون منها، فحرق مقرات الأحزاب الطائفية في الجنوب تحديداً، أسقط حجة الدفاع عن حقوق طائفة معينة، بل هي تعبير عن واقع مرير يعيشه هؤلاء الذين رأوا جثث أبنائهم تفد إليهم من سورية والمدن العراقية الأخرى بسبب حروب إيران التي استخدمتهم فيها لتمرير مشاريعها، إضافة إلى تزييف الحقائق حول من هو المسؤول عن الإرهاب الذي يتعرض له بلدهم، إذ كانت كل وسائل الإعلام الفارسية توجه الاتهامات إلى السعودية ودول “مجلس التعاون” الخليجي، فيما الحقيقة أن ثعبان الإرهاب إيراني الهوى والمنطلق.
ما يحدث في العراق اليوم، يشبه تماما ما حدث في السودان الذي لم يكن يتوقع ان يشهد ثورة على نظام البشير، أو الجزائر التي صورتها وسائل الإعلام أنها الدولة العربية الأبعد عن ثورة شعبية بهذا الزخم، غير أن الجوع لا هوية له، وحكم الفساد مهما تخيَّل أصحابُهُ أنه قويّ يبقى أوهن من بيت العنكبوت إذا أراد الشَّعب الحياة.

You might also like