الصحابة أكثر الناس تدبراً وتمسكاً وفهماً وعملاً بالقرآن مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن 17

0 7

القاهرة: محمد إسماعيل
يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.
يذكر الدكتور محمد بن عبدالجواد محمد الصاوي في كتاب “نماذج تدبر القرآن الكريم عند السلف الصالح”، إن من تأمَّل بعين البصيرة في أحوال العرب قبل بعثة سيد ولد آدم نبينا محمد، وما كانوا عليه من الجهل والقتل والظلم والعدوان وما عاشوه من انحراف عن الفطرة السليمة وعبودية، ثم أرجَع بصره متأمِّلا في أحوال أولئك العرب أنفسهم بعد برهة زمنية قصيرة حين تنوَّروا بنور الإسلام، وتخلقوا بأخلاق القرآن عرف البون الشاسع، والفرق الهائل الذي أحدثه تدبر القرآن العظيم في نفوسهم، حتى صاروا من نجاح الى آخر، وأصبحوا قادة الأمم، وأئمة الدنيا.
ولا غرو ولا عجب فهو كلام الخالق جل وعز، إنه النور والخير الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون منهجا للعباد في كل زمان ومكان قال سبحانه وتعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، (سورة النحل الآية: 44)، وقال: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ)، (سورة المائدة الآية: 15). فمن أصغى إلى كلام الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والنجاح والفلاح والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا منظومة ولا منثورة.
ومن نظر في أحوال الرعيل الأول من صحابة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، وجد أن تميز أحوالهم، ونجاحهم وفلاحاهم، وجمال حياتهم، بسبب تمسكهم بالقرآن العظيم وتدبرهم له، وعملهم به. ولقد كانت استجابة الصحابة، ومن تبعهم من سلف الأمة الصالح للتوجيه بتدبر القرآن استجابة عظيمة، ملأت عليهم أوقاتهم في الهواجر والأسحار، وقد حوت بطون الكتب والمصنفات ودواوين العلم، دررا من أقوالهم وأخبارهم في حبهم لتدبر القرآن والعمل به.
وقد ورد عن أئمة السلف كلمات كثيرة، تكتب بماء الذهب، سطروها في تدبر القرآن الكريم، وهي إن دلت فإنما تدل علي معرفتهم لأهمية القرآن العظيم، وتذوقهم لحلاوة تدبره وفهمه، فتحققت لهم الرفعة والتمكين وتمسكوا بالقرآن الكريم قولا وعملا، وفهما وسلوكا.
إن من تأمل كلام السلف الصالح عن القرآن الكريم وتدبره، وجد أن لهم منهجا في التوجيه لهذه العبادة العظيمة، يمكن تحديد معالمه بمعرفتهم لمنزلة القرآن ومكانته، وإدراكهم لمقصده الأعظم.
ذلك أن تلقي الأمر بالمحبة والتعظيم والإيمان، يؤدي إلى حسن التعامل معه، ومن عرف قيمة الشيء اعتنى واهتم به، وقد ظهر ذلك في الجيل الأول من خلال أقوالهم وأفعالهم، ومن أقوالهم المأثورة في بيان عظمة القرآن وأثره وتدبره، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله”، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع منكم أن يتعلم منه شيئا فليفعل، فإنه حبل الله عز وجل، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، ولا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كترة الرد”، وعنه رضي الله عنه قال: “من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر: فإن كان يحب القرآن، فهو يحب الله ورسوله”.

حلاوة القرآن
وذكر ابن أبي شيبة في كتاب “المصنف”، أن ابن عباس رضي الله عنه قال: (ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقي في الآخرة، ثم تلا: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)، (سورة طه الآية: 123)، وقال الحسن البصري: (تفقدوا الحلاوة في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر، فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق)، وقال ثابت البناني: (كابدت القرآن عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة)، وقال أبو سليمان الداراني: (إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال – وذكر خمس ليال- ولولا أني أقطع الفكر فيها لما جاوزتها إلي غيرها).
ويروي الإمام الغزالي في كتاب “إحياء علوم الدين”، عن أحمد بن أبي الحواري قال: (إني لأقرأ القرآن وأنظر في آية فيحير عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، وأما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا)، وقال الإمام البخاري: (لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا الموقن).
وجاء عن ابن رجب في كتاب “لطائف المعارف”، أن السلف الصالح كان منهجهم مع القرآن تدبر آياته والحث على ذلك، قال ابن عباس: (لأن أقرأ في ليلة سورة أتدبرها وأفكر فيها أحب إلي من أن أقرأ القرآن)، وقال مطرف بن عبد الله: (إني لأستلقي من الليل على فراشي فأتدبر القرآن، وأعرض عملي علي عمل أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)، (سورة الذاريات الآية:17)، (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، (سورة الفرقان الآية: 64)، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، (سورة الزمر الآية: 9)، فلا أراني فيهم فأعرض نفسي علي هذه الآية: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)، (سورة المدثر الآية: 42)، فأرى القوم مكذبين، وأمر بهذه الآية: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)، (سورة التوبة الآية: 102) فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم).

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.