الصحابة يؤكدون أن لا سبيل لفهم القرآن إلا بقراءته بتدبُّر مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (2)

0

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يؤكد الدكتور محمد بن عبدالجواد محمد الصاوي في كتاب “نماذج تدبر القرآن الكريم عند السلف الصالح”، إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا على يقين أنه لا سبيل إلى فهم كتاب الله إلا بقراءته بالتدبر والتفكر والتيقظ والتذكر وحضور القلب فيه، وقال بعض الصحابة رضوان الله عليه: من أصابته بركة القراءة رزق التدبر في آياته، ومن رزق التدبر لم يحرم التذكر والاتعاظ به. وقال أبو عثمان المغربي: (ليكن تدبرك في الخلق تدبر عبرة، وتدبرك في نفسك تدبر موعظة، وتدبرك في القرآن تدبر حقيقة ومكاشفة، جزاك به علي تلاوة خطابه، ولولا ذاك لكلت الألسن عن تلاوته).
وقال الآجري: (ومن تدبر كلامه عرف الرب عز وجل، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذره مولاه الكريم، ورغب فيما رغبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وأنس بما يستوحش منه غيره، وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى أتعظ بما أتلو؟ ولم يكن مراده متى أختم السورة؟ وإنما مراده متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة).
ويشير أبو حامد الغزالي في كتاب “إحياء علوم الدين”، إلى كثرة الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح النجاح والأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره ومورده ومجراه ومسرحه وطريقه وكيفيته. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (القرآن من تدبره تدبرا تاما تبين له اشتماله علي بيان الأحكام، وأن فيه من العلم ما لا يدركه أكثر الناس، وأنه يبين المشكلات ويفصل النزاع بكمال دلالته وبيانه إذا أعطى حقه، ولم تحرف كلمه عن مواضعه).

التفكر في معانيه
عن ابن جماعة قال: (وينبغي له إذا تلي القرآن أن يتفكر في معانيه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، والوقوف عند حدوده)، وقال الزركشي: (من لم يكن له علم وفهم وتقوي وتدبر، لم يدرك من لذة القرآن شيئا)، وقال أحد السلف: (لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، -يعني ختمه التفهم والمشاهدة-). وقال بعضهم: (إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر وما قضيت منها وطري)، وكان بعضهم يقول: (كل آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لم أعد لها ثوابا)، وحين يضعف تعظيم القرآن في النفوس يضعف الاتصال به وتدبره، وتنشأ أجيال مقطوعة الصلة بالحياة الناجحة الهانئة مع القرآن، فتشقى وتشقى.
يذكر محمد بن علي بن عطية الحارثي في كتاب “قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلي مقام التوحيد” أن منهج الصحابة في تعاملهم مع القرآن كان مبنيا على تعلمهم وتعليمهم الإيمان قبل القرآن، والمقصود: أنهم غرسوا في قلوبهم تعظيم الله وتعظيم أمره ونهيه، فسهل عليهم بعد ذلك تلقي الأحكام الشرعية، وهذا جانب رئيس في إحياء التربية القرآنية في النفوس. وهذا المنهج قد اتخذه القرآن في تربيته للصحابة أول الإسلام، حيث كان أول نزول القرآن تربية على الإيمان في السور المكية –وخاصة المفصل منها- فكله في ترسيخ الإيمان بالله واليوم الآخر، فأورث في نفوسهم الإيمان الصحيح والتعظيم للقرآن، وهيأ نفوسهم لتلقي توجيهاته.
ويوضح هذا المنهج – الذي ربى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عليه- أحد التلاميذ النجباء في مدرسة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن غلمان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا)، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبدأ في بناء الإيمان في نفوسهم، حتى إذا ما رسخ الإيمان في قلوبهم، وكانوا مؤهلين لتلقي القرآن، وجههم إليه، فازدادوا به إيمانا، وهكذا كان حال السلف الصالح من بعده -صلى الله عليه وسلم-.
وذكر ابن أبي شيبة في كتاب “المصنف”، أن منهج الصحابة في تدبر القرآن كان قائما علي أساس أنه رسائل من ربهم للعمل والامتثال، يتدبرونها بالليل ويتمثلونها بالنهار، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان الفاضل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به).
وهذا المنهج هو الذي أخرج ذلك الجيل وصنعه، ولو أننا تلقينا القرآن كما تلقاه الجيل الأول بهذا المنهج، وربينا عليه أجيالنا، لظهر لنا أثره وتأثيره في نفوسنا. وحين نقرأ بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد، وسنجد فيه عجائب لا تخطر علي بال الساهي!، سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية، تنبض وتتحرك، وتشير إلي معالم الطريق. وسنجد عندئذ في القرآن فلاحا ونجاحا ومتاعا وحياة، وسندرك معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، (سورة الأنفال الآية:24)، فهي دعوة للنجاح والفلاح والسعادة والحياة الدائمة المتجددة، لا لحياة تاريخية محدودة، في صفحة عابرة من صفحات التاريخ.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 − ثلاثة =