الصحافة الصفراء وصحافة ألوان الطيف!

0 90

حسن علي كرم

لم تعرف الكويت منذ صدور أول صحيفة على ارضها عام 1928، مصطلح “الصحف الصفراء”، او اي لون من ألوان الطيف، فالصحف الكويتية شهدت زخماً من الصحافة الأسبوعية في الخمسينات من القرن الماضي، في وجود مطابع محلية، كمطبعة المقهوي والعصرية والمعارف.
الصحافة في تلك الحقبة لم يكن وارداً في ذهن ملاكها، او محرريها، او كتابها، ان ينحوا الى اخبار الفضائح وغرف النوم، رغم وجود مواخير الكيف واللهو واللقاءات الحميمية والخمور.
الا انه في ظل مجتمع يتسم بالمحافظة والتواصل الاجتماعي والعلاقات الاسرية، لم يكن من السهل ورود اي خبر في اي صحيفة يمس سمعة اي مواطن، مهما دُنست مكانته الاجتماعية او علت، ففي كل الاحوال كانت الروابط الاجتماعية اقوى من ترويج خبر بقصد الاثارة وزيادة التوزيع وزيادة حجم الإعلانات، رغم تواضعها، حينذاك، ولعلي اذكر اكثر صحف تلك الحقبة جرأةً، وكانت تتميز بعناوين جاذبة، ومقالات سياسية، واجتماعية جريئة هي جريدة” الشعب” لصاحبها ورئيس تحريرها المرحوم خالد خلف التيلجي الذي في الوقت ذاته كان منخرطاً في سلك المحاماة.
اما بقية الصحف كـ”الفجر” وهي جريدة أسبوعية كانت تصدر من نادي الخريجين، ويرأس تحريرها المرحوم يعقوب الحميضي، وهناك مجلات أسبوعية كـ”كاظمة” شبه الأدبية لصاحبها عبدالله الصانع و”الرائد” لسان حال نادي المعلمين، و”الرائد الاقتصادي” اصدرها مصطفى بودي.
اما في النصف الاخير من الخمسينات سمحت الحكومة باصدار الصحف، فقد سارع المرحوم عبدالعزيز المساعيد الى اصدار”الرأي العام” وإنشاء دار” الرأي العام” التي صدرت منها مجموعة صحف منها “دنيا العروبة” الأسبوعية التي باع امتيازها فيما بعد الى المرحوم يوسف السيد هاشم الرفاعي، وغير اسمها الى “السياسة” وصدرت في البداية أسبوعية، وتحولت صحيفة يومية ولا تزال تصدر الى اليوم.
ثم حصل يوسف الرفاعي على امتياز “البلاغ” الأسبوعية كمجلة اسلامية معبرة عن الاسلاميين، وكان يرأس تحريرها المرحوم عبدالرحمن الولايتي، اما عبدالعزيز المساعيد بعدما باع امتياز “دنيا العروبة” اصدر مجلة” النهضة” التي ما زالت مستمرة الى اليوم.
ثم اصدر المرحوم عبدالعزيز فهد الفليج الجريدة اليومية “اخبار الكويت” التي اشترى امتيازها خالد المرزوق مع مجموعة من المستثمرين هي ما زالت مستمرة في الصدور باسم” الأنباء”، ثم اصدر المرحوم احمد محبوب العامر” الوطن” اليومية، والمرحوم باقر خريبط “صوت الخليج” الأسبوعية، واصدر “نادي الاستقلال” جريدة “الطليعة” لسان حال اليساريين والقوميين.
أصدرت جمعية الاصلاح مجلة “المجتمع” لسان حال الاخوان المسلمين وفي غرة السبعينات صدرت” القبس”، ناطقة باسم الصفوة التجارية من المتربعين على عرش غرفة التجارة.
هل كانت الصحف الكويتية في الخمسينات والستينات والى فجر يوم الغزو العراقي الغاشم، تعبر عن المواطن الكويتي، او تترجم موضوعاتها وصفحاتها الشخصية او الروح الكويتية؟
انا هنا كشاهد ومتابع ومهني اقول وبالقلم العريض لا والف لا، فالصحف كان ملاكها كويتيون وباموال ودنانير كويتية، ورؤوساء تحريرها كويتيون، لكن خلف هؤلاء يقبع صحافيون وافدون، بعضهم يشهد الله ومن خلال زمالتي اللصيقة معهم مهنيون ومحايدون، لكن هؤلاء للاسف قلة، فيما هناك صحافيون في الصحف الكويتية يروجون وبالخط العريض لبلدانهم، وهناك لكل سفارة عربية مناديب يمثلونها، وربما ينقلون اخبارا ومعلومات عن الوزارات والدواوين الحكومية الكويتية.
في السبعينات كنت أتولى ادارة احدى المجلات السياسية، فدخلت عليَّ زميلة عائدة توا من إجازتها، وفتحت حقيبتها وسحبت منها رزمة من الأوراق، وقالت احلفك بالله ان لا تخرج اي معلومة عن هذه المقابلات ولا عني، لأي واحد في المجلة وبخاصة فلانة، وفلانة هذه زميلة ومحررة تعمل في المجلة، لكنها على اتصال وثيق بسفارة بلدها في الكويت وسفيرها، وسفارات اخرى.
ولعل اكثر السفارات العربية التي كانت تزرع صحافيين موالين في دور الصحف الكويتية هي العراقية والسورية والمصرية ومنظمة التحرير الفلسطينية وسفارات اخرى، وكانت الصحف على الأغلب ولا تزال تدار بواسطة صحافيين وافدين او من الاخوة “البدون”، بعض ملاك الصحف ورؤساء تحريرها لا يعترفون ولا يثقون بقدرات وكفاءات الكويتيين، واذا وجد صحافي كويتي كفء أُهيلت على رأسه عيوب الدنيا والآخرة، كي يزهد ويطفش، من هنا كنت انعتُ صحافتنا، صحف عربية تصدر من الكويت.
قبل الحرب الاهلية في لبنان (1975- 1990) كانت هناك حزمة من الصحف التي تصدر، وكانت كل صحيفة تمويلها ومرجعيتها السياسية من السفارات العربية او الاجنبية، الكويت لم تكن بافضل حال، لكن نحمد الله ان الغزو الغاشم على وطننا صيف 1990 قد فتح عيون مسؤولينا على الحقيقة التي كانوا يرفضون تصديقها، ورغم الصدمة لكن بقي مسؤولينا “تيتي تيتي” لا عينت رأت ولا اُذن سمعت، فهل استجد شيء على صحفنا واعلامنا بعد الغزو التحرير؟
بعد اصدار قانون الصحافة الجديد انهالت التراخيص لصحف جديدة، وغالبيتها يومية، فبعد الخمس اليومية قفز العدد الى 18، هذا بخلاف المجلات الأسبوعية والاجنبية، لكن غالبية الصحف الجديدة تعثرت، وتوقفت عن الصدور، و الصحف التي لا زالت تصدر بالكاد تمشي بـ”الدز”.
هناك داخل الكويت وخارجها من اراد ان يستغل الحرية الصحافية عندنا، ويجعل من الكويت صورة بديلة عن لبنان وصحافته المأجورة، لكني أتصور ان كرم الله على هذا البلد الطيب أهله والكريم منبته ان من حسنات الغزو الغاشم هو تعديل وضع الصحافة من صحافة مؤجرة الى صحافة وطنية، ومن الصحافة الملونة بألوان الطيف الى صحافة اقل تقدير كويتية.
كانت هناك قبل الغزو اموال مليونية تنهال على بعض صحفنا من الخارج، بذرائع الاشتراك وطباعة كتب ومطبوعات حكومية، الحرب الإعلامية اخطر من الحرب بالصواريخ والطائرات. ظل الاتحاد السوفياتي والحلفاء الاشتراكيون من جانب وأميركا ووحلفاؤها الرأسماليون من الجانب الاخر، في حرب اعلامية ضروس منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تهدأ اواروها الا بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكيك دولها، ورغم ذلك فالشك موجود والحرب الإعلامية مستعرة، وكل يوم نسمع عن خلافات بين أميركا وروسيا والصين، وكوريا الشمالية، وهذه الاخيرة الارث الباقي من تركة الحقبة الشيوعية، لكن بلغة اختلفت عن سابقتها.
الصحافة الصفراء ليست بالضرورة ان تكون صحافة فضائح، او أن تكون صحافة دعارة، فاللغة الخبيثة اخطر من نشر اخبار الفضائح واثارة الفتنة ودس السم في العسل، صحافتنا قد لا ينطبق عليها او على بعضها الصحافة الصفراء، لكنها لن تتوانى عن التلون، ونشر اخبار كاذبة وسط اخبار تبدو عليها انها صحيحة.
بعض صحفنا التي قد يتصوره القرّاء انها رزينة وموثوقة، تستغل ثقة قرائها أحياناً بدس اخبار وتقارير ومقالات محرّفة ومملوأة بالشك.
في الغرب ربما لا تلفت نظر القارئ أغلفة مجلات الجنس، او حتى الصحف الرزينة، اذا نشرت على صفحتها الاولى صورة حسناء عارية، لكن هنا في شرقنا العربي لن نرى صحافة للجنس، لكن نرى مقالات عارية، واخبار صفراء، وصحف تتلون بألوان الطيف!

صحافي كويتي
[email protected]

You might also like