الصدق بالحرِّ أحرى حكايات عربية للعبرة والتسلية (13)

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيل من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

اشتهر العرب بالصدق، وبذمِّهم واستنكارهم للكذب، والكذابين، الذين يزيّفون الوقائع حسب أهوائهم، مدفوعين بدوافع مختلفة، قد يكون بعضها حقيراً جداً. إن صفة الصدق لدى العرب هي التي جعلتهم بعد الإسلام قادرين على حفظ كتاب الله تعالى -بفضل وتوفيق منه وحده-، وهي التي جعلتهم أيضاً قادرين على وضع العلوم التي تحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتميّز الصادقين، من أصحاب الهوى، والمصالح الشخصية.
قال الله تعالى مبشراً للصادقين: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ وقال تعالى: “وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ” فمدحهم وبين لهم المغفرة والأجر العظيم.
وقال عمر رضي الله عنه: عليك بالصدق وإن قتلك.
وما أحسن ما قيل في ذلك:
عليك بالصدق ولو أنّه … أحرقك الصدق بنار الوعيد
وابغ رضا المولى فأغبى الورى … من أسخط المولى وأرضى العبيد
وقال إسماعيل بن عبيد الله: لما حضرت أبي الوفاة جمع بنيه، فقال لهم: يا بني عليكم بتقوى الله وعليكم بالقرآن، فتعاهدوه، وعليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلا، ثم سئل عنه أقرّ به. والله ما كذبت كذبة قط مذ قرأت القرآن.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه، وصدق حديثه. وقيل: لكل شيء حلية وحلية النطق الصدق.
وقال محمود الوراق:
الصدق منجاة لأربابه … وقربة تدني من الرب
وقيل: الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المروءة، فلا تتم هذه الثلاثة إلا به. وقال أرسطاطاليس:
أحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه.
وقال المهلب بن أبي صفرة: ما السيف الصارم في يد الشجاع بأعزّ له من الصدق. وكان يقال على الصدوق: فلان وقف لسانه على الصدق. ويقال: الصدق محمود من كل أحد إلا من الساعي.
ويقال: لو صدق عبد فيما بينه وبين الله تعالى حقيقة الصدق لاطلع على خزائن الغيب، ولكان أمينا في السماوات والأرض.
وقيل: من لزم الصدق وعوّد لسانه به وفق.
ويقال:الصدق بالحر أحرى.
وقال عتبة بن أبي سفيان: إذا اجتمع في قلبك أمران لا تدري أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك، فخالفه، فإن الصواب أقرب إلى مخالفة الهوى.
وقال أرسطاطاليس: الموت مع الصدق خير من الحياة مع الكذب. وكان نقش خاتم ذي يزن، “وضع الخد للحق عز” .
وامتدح ابن ميادة جعفر بن سليمان، فأمر له بمائة ناقة، فقبل يده، وقال: والله ما قبلت يد قرشي غيرك إلا واحد، فقال: أهو المنصور؟ قال: لا والله، قال: فمن هو؟ قال:
الوليد بن يزيد. قال: فغضب، وقال: والله ما قبلتها لله تعالى، فقال: والله ولا يدك ما قبلتها لله تعالى، ولكن قبلتها لنفسي، فقال: والله لا ضرك الصدق عندي أعطوه مائة أخرى.
وقال عامر العدواني في وصيته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا، يعني من لزم الصدق وعوّد لسانه وفق، فلا يكاد ينطق بشيء يظنه إلا جاء على ظنه.
وخطب بلال لأخيه امرأة قرشية، فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم، كنا عبدين، فأعتقنا الله تعالى، وكنا ضالين، فهدانا الله تعالى، وكنا فقيرين، فأغنانا الله تعالى، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله تعالى، وإن تردونا، فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته، ومشاهده ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجوا أخاه، فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتترك ما عدا ذلك، فقال: مه يا أخي صدقت فأنكحك الصدق.
وخطب الحجّاج فأطال، فقام رجل، فقال: الصلاة، فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه زعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال: إن أقر بالجنون خلّيته، فقيل له، فقال: معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني. فبلغ ذلك الحجاج، فعفا عنه لصدقه.
يروى أن عبد القادر الجيلاني رحمه الله – وهو أبو محمد عبد القادر بن موسى بن عبد الله، يعرف ويلقب في التراث المغاربي بالشيخ بوعلام الجيلاني، وبالمشرق عبد القادر الجيلاني، ويعرف أيضا ب”سلطان الأولياء”، وهو إمام صوفي وفقيه حنبلي، لقبه أتباعه بـ”باز الله الأشهب” و”تاج العارفين” و”محيي الدين” و”قطب بغداد”. – ، خرج من مكة متجها الى العراق وهو صغير من اجل طلب العلم، وقبل خروجه أعطته امه مبلغاً بسيطاً قدره أربعون ديناراً لكنها طلبت منه أن يعاهدها على الصدق طيلة سفره !!
فانطلق عبد القادر الجيلاني – و كان لا يزال طفلا – متجها نحو بغداد ليدرس العلم على يد شيوخ الاسلام هناك، ولكنه لما وصل الى منطقة تسمى همدان اعترض قافلتهم عرب و هم قطاع طرق، فسرقوا القافلة، ثم توجه واحد منهم الى الطفل الجيلاني و قال له : ماذا يوجد معك ؟ قال الطفل الصادق : أربعون ديناراً . فتركه الرجل ظنا منه أنه يسخر منه ! فمر به رجل آخر من قطاع الطرق فقال له : ما معك ؟ فأجابه بمثل ما أجاب الرجل الأول…
أخذ الرجال هذا الطفل الى أمير المجموعة فسأله نفس السؤال و مرة أخرى الجيلاني يجيب بنفس الجواب : معي اربعون ديناراً ” فسأله الامير مستغربا : ما حملك على الصدق أيها الفتى ؟ فقال : قبل سفري الى بغداد عاهدتني أمي على الصدق … وخفت أن أخونها !!!
فبكى الأمير و قال : أنت خفت أن تخون عهد الأم و نحن لم نخف أن نخون عهد الله عز وجل !! فأمر رجاله بأن يردوا القافلة المسروقة الى أهلها، ثم قال الأمير للطفل الصادق عبد القادر الجيلاني : لقد تبت الى الله من هذه السرقة ! و انا تائب على يدك بسبب صدقك أيها الفتى ! فتاب كل الرجال من قطاع الطرق بعد توبة أميرهم.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

اثنان + خمسة عشر =