الصُّورة في المنظور الفلسفي

0

محمود كرم

الصورة في المنظور الفلسفيّ، قد تقول كلّ شيءٍ، وقد لا تقول شيئاً.
هكذا ربما ما تحمله الصُّورة، أيُّ صورة، وهيَ تتخلّقُ في ومضة الضّوء وفي تموّجات اللحظة العابرة. إنّها قد تظهر بِكامل دلالاتها ورمزيّتها في تمثّلات التعالق الواعي مع الزمن الآنيّ، وربما قد تظهر لاحقاً في ذاكرةٍ آجلة. ولذلك قد نتساءل بشيءٍ من الاستيضاح الشغوف، عن واقعيّة ما تريد أنْ تقوله الصُّورة لنا.
في ظنّي، قد لا تستطيع الصُّورة دائماً أنْ ترتقي صدارة المشهد، ولكنّها في الوقت ذاته، قادرةٌ على أنْ تُبقي المشهدَ شاخصاً بكلّ تفاصيله التي تغوصُ بعيداً في تداعيات الحنين والرغبة والأمل والوجع والمسرَّات.
وأتساءلُ أحياناً، هل الصُّورة تغنينا عما نريد أنْ نراه حقيقيّاً وواقعيّاً أمامنا؟ ربما تستطيع أنْ تخفّفَ عنّا وجعاً في ذاكرة الغياب، حين نستحضر من خلالها صورة مَن نحبُّ مثلاً، أو صورة ذكرى معيّنة.
إنّها في هذه الحالة قد تبدو حقيقيّة تماماً، لأنّها تضع الذاكرة في عنفوان الحاضر، لكن في الوقتِ ذاته قد لا يراها البعض حقيقيّة، لأنّها في نظرهم لا تملكُ ميزة الاستحواذ من حيث كونها تخلو من متعة الحواس في تفاعلات الإدراك الحسيّ.
وليسَ من المبالغة إذا ما قلتُ أنّ الصُّورة تمارس مهارة الخَلق بجدارة فائقة، من حيث قدرتها المدهشة على خلق اللحظة في نافذةٍ بصريّة، تمنحنا المتعة والنشوة والبريق.
إنّها هنا تضعنا في جوهر الإحساس البصريّ، وهوَ الإحساس ذاته الذي قد يتجلّى لاحقاً في انفعالات الحضور والغياب، وهذا ما يجعلها سيّدة الموقف من دون منازع، لأنّها تخطف اللحظةَ في ومضةٍ من بريق الضّوء، وتبعثُها خلقاً في ذاكرةٍ بصريّة مفعمة بالأحاسيس والتجلّيات والتداعيات.
لا أدري، لكنْ أجدني أذهبُ إلى القول انّ الصُّورة في أحيانٍ كثيرة قد تكون بمثابةِ لحظةٍ من شغف. تلك اللحظة التي قد ننتطرها طويلاً، وننتظرها أنْ تأتي على هيئة شغف. تجعلنا نعيش اللحظة الأشهى في تعاقب الأوقات، من حيث قربها الشّديد من انتشاءات الروح مع ما تملكُ في أعماقها من تجلّياتٍ خلاّقة تنتشي ابداعاً وشوقاً مع رحابة اللحظات الأجمل. فالصورة هنا آسرة للروح في مستويّات الخَلق والدهشة والتعالق الحميميّ مع دفقات الشغف والحبّ واللهفة.
هل أستطيع القول انّ الصورة في ذاكرة الزمن المقبل، تبقى ماثلةً أمامنا دائماً، وكأنّها لم تغادرنا أبداً. حقيقةً لا أدري، هل يحدثُ هذا الأمر بعامة، أم أنّه مجرد فرضيّة من نسج الخيال، ولكنّني في مطلق الأحوال أستطيع أنْ أبرهن على أنّ الصُّورة في حالاتٍ كثيرة لا ترحل عنّا بعيداً، وحتّى لو رحلتْ، إلاّ أنّها تعود مجدَّداً إلى مملكة الذكرة، وكأنّها لم تغادرها أبداً.
إنّها في هذه الحالة تملكُ كلّ مقوّمات البقاء من حيث قدرتها على وضع الذاكرة دائماً في دفء الانفعالات العاطفيّة والشعوريّة، إنّها لا تنفكُّ تخبرنا هنا عن تواجدها الشغوف في تجاويف الذاكرة، لأنّها ربما قادرةٌ على أنْ تكون الصورة الأقرب دوماً إلى اشتهاءات القلب في ذاكرة الحنين والأحلام والأمنيات.
وهل نشتاق إلى أنفسنا في صورةٍ ما؟ قد يحدثُ هذا كثيراً. ولا يحدثُ ذلك إلاّ لأنّ الصُّورة بعامة في هذه الحالة تكون ناطقة. تنطق بكلّ تفاصيلها الحاضرة في انهطالات الذاكرة، وتكون في الوقتِ ذاته متحركة. بمعنى إنّها تملكُ أنْ تضع الشّوقَ في عجلة الزمن، وبمعنى آخر تجعل الشّوق حاضراً أبداً في تعاقبات الزمن. ويصبح الشوق هنا زمناً في ذاكرةٍ حيّة، والزمن هو الآخر يصبح شوقاً يستدعي بِكلّ حنين اللهفةِ صورته المرسومة في صورةٍ لا تموت ولا تضمحل، ولذلك نحن نشتاق في أحيانٍ كثيرة إلى أنفسنا في صورةٍ ما. صورة تجعلنا فوق الزمن وفي اشتهاءات الذاكرة الحاضرة وفي أبديّة الشّوق المستهام.
ولذلك أستطيع القول انّ الإنسانُ ربما كائنٌ يتخلّقُ دائماً في مخاض الشّوق. يأخذه الشّوق بعيداً وقريباً، ويهيمُ به سفوحاً من الذكرياتِ والصُّور، وفي كلّ حينٍ نراه يشتاق إلى ما يشتاق إليه، ويزداد في الشّوقِ اشتياقاً، وهذا الشّوق يبعثهُ حنيناً في صورةٍ يستدعيها من أقاصي الذاكرة، ويرى فيها شوقهُ الذي يتخلّقُ جديداً في ذاكرةٍ حاضرة، فالصُّورة هنا خالقةٌ للشّوق وباعثةٌ عليه أيضاً، ومعها وفيها يشتاق الإنسان إلى شوقه، ويشتاقُ إلى حالتهِ في شعور الشّوق. إنّه الشعور الذي يُبقيه في دفء الحنين مخلصاً لِشوقهِ، ومتفانياً في استحضاره اشتهاءً خلاّقاً وبعثاً جليّاً.
وفي اعتقادي انّ الصُّورة وهيَ تلخّص موقفاً فنيّاً، أو تعكس مزاجاً باهراً، أو تُظهر شكلاً خلاّباً أو تلتقط مشهداً بصريّاً مؤثراً، أو تقتنص لحظة مدهشة، أو تستدعي منظراً بديعاً، أو تستحضر ذاكرة ملهمة، فهيَ في مطلق الأحوال أجدها هنا واحدة من الأشياء التي تستطيع أنْ تمدَّ أعماقنا بِالحبّ والإحساس والعاطفة والالهام، وتملكُ تالياً أنْ تُخبرنا إنّنا في جوهر الحياة، لأنّها باعثة على التواصل الخلاّق مع أعماقنا من حيث كونها هنا مفعمة بالمعاني والدلالات والرمزيّات والأبعاد.
إنّها هنا تضعنا في مخاض التجلّيات مع الأفكار والأحاسيس والمشاعر والإبداعات، وتدفعنا نحو استخلاص الجوهر من أبعادها البصريّة. الجوهر الذي يجعلنا نستشعر وجودنا في جماليّات الحب والعاطفة والذائقة والإحساس.
وربما أجمل الصُّور هيَ تلك التي تأخذكَ شغوفاً إلى أجمل ما في المعاني من حريّةٍ ورحابةٍ وانطلاق، وتأخذكَ مستهاماً إلى ما يعتملُ في ذهنك من تأمّلاتٍ واستنطاقاتٍ وتساؤلات. وقد تذهبُ بكَ إلى أسعد لحظاتك، وهيَ تنسابُ في فراغات قلبك بالوداعة والهدوء والسحر.
إنّها الصُّورة في أجمل تجلّياتها هنا، تضعكَ مستحضراً أكثر المعاني سطوعاً في ذاكرة العقل، وتذهبُ بكَ إلى أشدِّ اللحظاتِ تأثيراً في انفعالات العاطفة والأحاسيس. إنّها تتخلّقُ هنا في تجربةٍ من تأثيرات المعاني واللحظات الخلاّقة والتأمّلات، وفي كلّ تجربةٍ، هناك مشاعر وأحاسيس تخبرنا عن مدى حاجتنا إلى أن نتقصَّى في الصُّورة رحابة الذاكرة والأفكار والإلهامات والإيحاءات.
وعادةً ما أذهبُ إلى الاعتقاد انّ أولئكَ الذين يحبّونَ أنفسهم في صورهم، السابقة والحاضرة والآجلة، يملكونَ ثقة التجربة، من حيث إنّها مراحلهم الحياتيّة في صورٍ مختلفة ومتباينة، والصُّورة هنا تعني لهم بكلّ تأكيد ذاكرة المراحل، وإنّهم في مراحلهم كانوا صوراً من هنا وهناك، ولا شيءَ يجعلهم في دفق الحيويّة والانطلاق والمواصلة سوى حضورهم الشاخص في تجربة الصُّورة.
التجربة التي تعني لهم فضاءً مفعماً بالتحوّلات والتبدَّلات والتغيّرات، إنّهم هنا يستحضرون أنفسهم في ذاكرةٍ بصريّة ناطقة، ودافقة ربما بكلّ ما فيها من ألق الفكرة ووميض التجربة وخصوبة المعرفة. وفضلاً عن ذلك كلّه، أرى إنّهم أيضاً لا يخشوْنَ من ذهاب الأيّام، لأنّهم يعيشون أيّامهم مسكونينَ بالحبّ والشغف في صورهم التي تمدُّهم بِذاكرةً خلاّقة وناطقة وملهمة.
لا أدري، لكنْ قد نجد في الصُّورة ما يملأ العين بالنّشوة والدفء والحبّ والشغف والمتعة، فالعيْن في أفق الرؤية قد تصبح عاشقة ومستهامة. تبحثُ عما يجعلها مرتاحة في شعور الطمأنينة، وتبحثُ عن لذّة الإرتواء في إحساس الظّمأ، وعن الإلهام والدفق في تداعيات الذاكرة، فالصُّورة هنا تمنح العينَ معراج الرؤية، وتجعلها تتهادى شعوراً وفنّاً في تجلّيات الإبداع والتفلسف، لأنّها وجدتْ في الصُّورة جمال الرؤية وفصاحة الحدث ورمزيّة الأبعاد وسحر الإيقاع وبريق اللحظة.
وهل ينبغي لنا أنْ نلمس الصُّورة حتّى نتأكّد من وجودها في أعماق البصر؟
لا أدري كيف يجري هذا الأمر، لكنْ مع التجربة أجد إنّه كلّما استطاعتْ الصُّورة أنْ تتعالق جماليّاً مع حاسَّة البصر، كلّما كانت أقربُ إلى الحقيقة في منظار الرؤية وفي تجلّيات الإحساس البصريّ والشعوريّ. إنّها اللمسة التي تعني الحقيقة في ذاكرة الابصار والاستدعاء، وهيَ اللمسة البصريّة ذاتها التي تزيد الصُّورة وجوداً حقيقيّاً، وتمنحها حضوراً دافقاً في مشهديّة التفاعل والتعالق والتخلّق. إنّها هنا لا تختفي ولا تنتهي، لأنّها مفعمة بالدهشات والرغبات والأشواق والأمنيات.
وإذا سألنا: لماذا الصُّورة تمتلكُ ميزة الاستحواذ من حيث كونها ذاكرة الإنسان المستمرَّة، ومن حيث كونها استدعاءه الدائم في تجلّياتهِ وتأمّلاته وتوجَّساته أيضاً؟
ربما لأنّها هنا تكشفُ له أنّ هناكَ طريقة في التعالق الخلاّق مع الحياة، وقد تغدو فيما بعد طريقته التي تعكس أسلوبه الإبداعيّ في اجتراح أفكارهِ وتجاربهِ وتخلّقاته الملهمة. أليسَ في الصورة جانباً من الفنّ والإبداع والتألق، وجانباً من الاكتشاف والمغامرة والتحليق، وجانباً ممتعاً من لذة الخيال وسحر الأحلام، وأليست عاكسة لذاكرتهِ البصريّة، وفي الوقتِ ذاته طريقته المحبّبة في شغف التساؤل والإلهام والتفلسف؟
في بعض الأحيان ربما ليسَ علينا سوى أنْ نتركَ الرُّوح تحتفل بِالحياة في طرقات الذاكرة. تلكَ الذاكرة المترعة بتداعيات الصُّورة من هنا وهناك، وهيَ تستجلي في الرُّوح مستوياتها وتخلّقاتها في رحابة المعاني المضيئة والخالقة، فالرُّوح في كيان الإنسان مستوى من الشعور بالأناقة الأخلاقيّة، ومن التحلّي بجمال التهذيب، ومستوى أيضاً من التفرَّد والإبداع والانشراح والتصالح مع الذات، ومستوى من انفتاح الذهن على رحابة التنوّع، وعلى مراحات الفكر الإنسانيّ، وفي كلّ هذا ترتقي الرُّوح مدارج مستوياتها وتخلّقاتها، تستوفي من خلالها ذاكرتها وحضورها وتجلّياتها.
ولأنّ الحياة عموماً محكومة بِقوانين الحقيقة والضّوء، ومسكونة بتدفّقات الإلهام والحبّ والحريّة، لذلك تبقى منحازة دائماً للجمال والألق والإبداع هنا وهناك، تنتصر على الظلام والانغلاق، وتتجلّى كثيراً أيّ الحياة في صورةٍ ناطقة وملهمة وحرَّة.
ومن شأن الصُّورة هنا أنْ تكون رافداً في حياة مفعمة بالضّوء والحقيقة والإبداع، فالإيمان بالحياة كَالإيمان بالحبّ والحريّة والجمال، والإيمان بالإبداع والألق كَالإيمان بِالحياة، وفي كلّ هذا الإيمان تنتصر الصُّورة للحياة في تجلّياتها الإبداعيّة، وفي تخلّقاتها الساحرة، لأنّها في الأخير معنيّة بحقيقتها في حضور الضّوء، ومحكومة بحريّتها في ألق الإبداع، وناطقة بألوانها في ذاكرة الحبّ.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

12 + 11 =