الضلال المبين شفافيات

0

د. حمود الحطاب

لو ترك الإنسان لفطرته في بيئة حرة من دون تعليم ممنهج من معلم وكتاب وقلم، ولم تشغله هذه البيئة الحرة عن التفكير كيفما يريد، ثم توافرت له أسباب المعيشة الحياتية من أكل وشرب وسكن ودفء غريزي في كل هذا، حتى ولو في أدنى درجاته لاهتدى لوجود خالق للكون من دون معلم ولا قلم ولا كتاب. ولكن بسبب الإضلال البشري للبشر من شياطين الإنس، أو من إضلال الشياطين المباشر أو كل ذلك الإضلال وهو الإضلال الصعب، فضلاله هو الضلال المبين ثم استعصت الهداية على بعض الناس بسبب ما أصاب قدرات العقل ومسببات حركة ميكانيكيته الحرة للعمل الذاتي المرن، فمفاصل الحركة تصاب بالران والصدأ حيث الضلال بسبب الإضلال، “كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون”، وأيضا ما يكتسبون من الغواية، فيصاب المحبون بخيبة أمل في تحريك تلك المفاصل فيهم في آلية الحركة الميكانيكية للعقل، فتضعف ثم تتعطل فلا تنتج الهداية الفطرية. قال تعالى: “إنك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء” فمن يهديه من بعد الله؟
كل الناس يملكون عقولا تفكر وتستنتج، وهم متساوون في إمكانات هذه العقول رغم عدم تساويهم بالفرص التي تتيح لهم تربية قدراتهم العقلية. ولكنهم مختلفون في التركيز على تشغيل قوى العقل المدركة.ومن هنا احتاج العقل المُضَلَّلِ بالغواية البشرية، أو بقلة استخدام ماكينة العقل الإدراكية، أو بسيطرة قوى الغريزة على حركة العقل، وهنا تتدخل رحمة الله ومساعدته للعقل والإرادة الفكرية، احتاج أن يقول له الله تعالى حين لاتشتغل أجهزة التركيب والاستنتاج العقلي واجهزة الملاحظة والتدبر، احتاج أن يقول له الله تعالى حين ينظر الى الكون والحياة ببلاهة وسذاجة أو انكار واستنكار:” أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون” ليحرك مفاصل قد جف زيتها وتزييتها.
استوقفني منظر النهر الذي يجري بباب الكوخ في الغابةالتي نخيم فيها، وتلك الطيور من البط والأوز والدجاج الطائر وأبو فصادة وغيرها، حين نظرت اليها وهي تعوم منسجمة مع نفسها عوما أوطيرانا،أو طيرانا وعوما ومشيا راقصا على اليابسة، حين رأتني فتنادت مع بعضها أن هلموا فهناك رزق قد يحمله لكم هذا الزائر الذي وقف مع اشراقة الشمس على حافة ذلك النهير الأخضر الجاري، فاستحييت منها وتذكرت قول ذلك العالم: والله إني لأستحي من كل ذي عينين. فأحضرت لها بعضا من خبز التوست لأطعمها وهي لاتحتاجني في إطعامها، فقد تكفل بها خالقها حتى سمنت وانتفخت،فأخذت تتنافس وتتزاحم في تناوله من يدي بحذر وخفة ورشاقة وتوازن ومن دون خوف شديد، فأخذتُ أنظر لاختلاف خلقتها بتدبر وتمعن غير عادي، ونظرت لطبيعة خلقتها ومرونة أعضائها المتنوعة وأنواع الريش على أجسادها وهو مرتب حسب واجبات ذلك الريش عملا وجمالا، اوزة برقبة طويلة ملتوية، وبطة ذات منقار بمناشير وأرجل متشابكة ضفدعية للتجديف وفيها مرونة للمشي وجناح مطواع للحركة والطيران، وتخيلت أجهزة البلع والهضم، وكل فيها جهاز تجري فيه الدماء في دورات منتظمة ذاتية الحركة، وسط كل هذا الهيكل الخارجي المتنوع الذي يحتاج لتطويل في وصفه وفي التأمل في رسمه وجماله،فقلت في نفسي وأنا أراها وسط النهر الذي تحفه أشجار قد اكتست بالخضرة والاوراق المتنوعة والجمال، وتأملت وتخيلت أجهزة الشجر الذي طاول السماء في جنات معروشات تلك الأجهزة التي تمتص الماء والغذاء من التربة بخاصية اسموزية ذاتية مقدرة قوتها العظيمة مع حجمها وطولها وعرضها وتفرعها، وتتفاعل في النمو والحياة مع الشمس والهواء فتعطي الثمر الذي يساعدها على البقاء كما تعطي الطيور البيض الذي يحفظ هذه الأنواع وأشياء كثيرة، فقلت: وأي عقل بليد وأي فلسفة غبية حمقاء مجنونة، مجنونة، مجنونة تنكر وجود خالق لكل هذه المخلوقات في الحياة، خالق يملك معجزة الخلق من لاشيءَ” البدايةِ” فيجعل له سبب الحياة بهذا الجمال والعلم وسبب البقاء؟ وتذكرت أفكار الشيوعية الغبية الضالة المضلة وأجهزة تفكيرها المعطلة عن الاستنتاج العلمي الصحيح حين أنكرت وجود خالق لكل هذه المخلوقات، ومعها كل ما في الكون من عظمة وعجب واتساق واتساع. تفكرت بكل هذا تحت تأثير البيئة والمحيط ونسمات الهواء الباردة مع اصوات تغريد الطيور ونوح اليمام، فتحركت عاطفةٌ مرهقة وتحركت دمعة محبوسة منعتُها من الجريان في مجراها، وقلت في أعماقي: استغفرك ربي، سبحانك ربي، ما أعظمك وما أكثر علمك وما أشد حلمك. الحمد لله رب العالمين. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

5 × ثلاثة =