الطريق نحو دولة الولي الفقيه في العراق

داود البصري

كل الظواهر والارهاصات والمؤشرات الميدانية في العراق باتت تتجه نحو نهايات مخطط لها بامعان ووفق سيناريوهات اخراج متقنة في مصانع الحرس الثوري الايراني ومؤسساته المرجعية والعقائدية ذات الصلة بموضوع تصدير الثورة التي دخلت اليوم في اشد مراحلها حساسية وتعقيد.
فوسط موجات الصراع المتفاقم في العراق, وفي خضم حملات الحرب والابادة وتغلغل الروح الطائفية, وتمزق النسيج الوطني الجامع المانع, ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية على سوء الادارة والخدمات, يخطو النظام الايراني خطوات متقدمة للغاية لترسيخ نفوذه الضخم وتأثيراته الكبرى في العمق العراقي مؤسسا لقواعد عمل وانطلاق تتجاوز بكثير قضية التغلغل العسكري من خلال مستشاري الحرس الثوري و»فيلق القدس«, ومتعمقا في عمق النسيج البنيوي للحالة الطائفية السائدة في العراق التي انتجت بعد عقد ونيف من الصراع الداخلي شروخا داخلية مريعة على مستوى الانسجام والتعايش الطائفي بين مكونات الشعب العراقي.
ففي خطوة متقدمة ومفاجئة, ومن اجل تعزيز الحضور الايراني في المشهد الطائفي اقدم ولي ايران الفقيه علي خامنئي على تعيين ممثل خاص له في العراق هو مجتبى حسيني, وسفارته طبعا تتجاوز الاعراف الديبلوماسية المعتادة لتدخل ضمن مسارات تقرير مستقبل المرجعية الدينية في العراق, وقد ترافق هذا التطور مع خطوات متقدمة اخرى اقبلت عليها المؤسسة الدينية من خلال الخطبة الصريحة والواضحة المدلول والمعنى لما يسمى امام جمعة بغداد وهو رسول الياسري التي دعا فيها صراحة وعلنا وللمرة الاولى في السياسة العراقية لسيادة نظرية ولاية الفقيه, ودعوته المباشرة للمراجع الشيعية ولعلماء الحوزة الدينية في العراق بالتصدي لقيادة العراق في زمن الغيبة الكبرى للمهدي المنتظر, اي انه قد رسم الخطوط الاولى وبصراحة لستراتيجية تطبيق نظرية الولي الفقيه في العراق, وان كان لم يسم شخصا بعينه, بل وزع مسؤوليات القيادة على مختلف المرجعيات, وهو امر لا يتم ابدا, فوحدة القيادة هي المنهج المتبع, ولكن رسول الياسري اطلق بالون اختبار في مرحلة تصاعد فيها الاحتجاج الشعبي على سوء ادارة السلطة من خلال العملية السياسية, وهو امر ترافق ايضا مع مطالبات الحشد الشعبي التابع للمرجعية الدينية بدور اكبر في السلطة, وبما يعمق من احتمالات سيناريوهات مستقبلية من شانها تحويل العراق لدولة طائفية تحكم وتدار من قبل مكون واحد من المكونات العراقية ووفق نظرية دينية طائفية لا علاقة لها ابدا بالدستور ولا بالمؤسسات الديمقراطية بل يتم بكل هدوء وتقية وكتمان استحضار التجربة الايرانية في فرصة تاريخية مواتية قد لا تتكرر ابدا ان ضاعت.
كل الخطوط والتحركات اليوم تتقاطع لتامين المواقع المتقدمة للنظام الايراني وتكريس خنادقه المتقدمة والسعي الحثيث الى فرض نظام ولاية الفقيه الجامع للشرائط, وبالتالي ضم العراق لايران نهائيا ضمن اطار وحدة المرجعية, وهو الهدف المركزي الذي باتت تعمل وتدعو اليه قيادة ميليشيات الحشد الشعبي, وقيادة الحرس الثوري الايراني وعبر النشاط الميداني لوكلائهم في العراق ومنهم, بل في طليعتهم, امام جمعة بغداد رسول الياسري الداعي لحكم الفقهاء في العراق متجاهلا الدستور والمؤسسات السياسية والتشريعية, وبشكل يوضح حجم وطبيعة وعمق المشروع المؤسسي الطائفي للنظام الايراني وعملائه وحلفائه وانصاره ومريديه في العراق.
الايرانيون قطعوا تذكرة اللاعودة لنفوذهم وهيمنتهم على العراق, كما ان التظاهرات الشعبية التي خرجت اخيرا للاحتجاج على سوء الاوضاع تصب اهدافها النهائية في مجرى المشروع الايراني الطموح, العراق يخطو خطوات واضحة نحو تطبيق نظام ولاية الفقيه, والانقلاب الميليشياوي المقبل سيؤكد هذا المنهج. كل الحسابات الميدانية باتت تدعم التحركات الطائفية المدعومة ايرانيا, وزمن الحصاد الايراني لجهودهم التبشيرية الطويلة في العراق قد حان, وفي حال نجاح الايرانيين بفرض مشروعهم في العراق, فان المنطقة مقبلة, دون شك, على تطورات يشيب لهولها الولدان … فولاية الفقيه في حال تبنيها فانها لن تكتفي به وتتوقف عند حدوده الملاصقة للخليج العربي, بل ستحاول التمدد الحتمي لتشهد المنطقة اطوارا من الصراع غير مسبوقة بالمرة.
انها سيناريوهات الموت والدمار الجديدة فهل سيكون العراق الموقع العربي الاول لولاية الفقيه, وهل سيحقق الايرانيون شروطهم لوقف اطلاق النار في حرب الخليج الاولى عام 1980 ليحرزوا انتصارا ساحقا ولكن بشكل متأخر?
اعتقد ان تحولات التاريخ احيانا تتجاوز الماساة او الكوميديا السوداء كل الاحتمالات قائمة في صيف ساخن ضيع فيه العراقيون اللبن.. والارادة, وما لم تطرأ تحولات اقليمية جذرية تعيد صياغة المشهد المرتبك السائد فان جمهورية العراق الرثة الراهنة هي اول الدول العربية التي ستلتحق بركب دولة الولي الفقيه لتحقق الحلم الايراني المؤجل… انها ابشع لحظات الكوميديا السوداء في الشرق القديم.

كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com