الطفل العنيد… قائد ناجح في المستقبل يتميز بذكاء حاد وقادر على نجاحات عظيمة

0 325

القاهرة – علا نجيب:

تشكو الأم غالبا من عناد أطفالها، وترديدهم كلمة “لا” خصوصا إذا ما تعلق الأمر بأوامر أو تعليمات من الواجب اتباعها، إلا أن الدراسات التربوية الحديثة وعلم نفس الطفل، تؤكد أن الطفل المتمرد العنيد يمتلك شخصية قوية، من الصعب التأثير عليه من قبل أصدقاء السوء، وتنبأت بأن يتبوأ هذا الطفل مراكز عالية في المستقبل بمجالي الإدارة والتخطيط لتمتعه بذكاء متقد.
عن الطفل العنيد، ولماذا يردد كلمة “لا “متى يكون العناد والرفض مؤشرا خطرا على صحة الطفل النفسية، كان لـ “السياسة” هذا التحقيق:

في دراسة بريطانية نشرها موقع “life hack” الخاص بالدراسات النفسية والذي أجرى بحثا مستفيضا على 700 شخصية قيادية تبوأوا مراكز عالية,وتتبعوا سلوكهم منذ أن كانوا صغارا حتى وصلوا منتصف الأربعينات، وجدوا عددا من الصفات المشتركة بينهم، أهمها العناد والتحدي والتشاؤم، وسعت الدراسة إلى شرح العلاقة بين مواقف وسلوكيات الطلاب في مرحلة الطفولة المبكرة ونجاحهم كبالغين,وخلصت إلى أن الأطفال الأكثر عنادا، هم من كبروا وأصبحوا يحصلون على أعلى المراتب ولم يخضعوا للأدوار التي رسمها لهم الأهل منذ نعومة أظافرهم.
لم تكن تلك الدراسة وحدها التي أشارت لدور العناد والرفض في بناء شخصية قوية عند الطفل، ففي دراسة أميركية نشرتها الجمعية الوطنية للصحة النفسية، أكدت أن العناد يبدأ في مرحلة مبكرة عند الطفل، يصيب من 15 إلى 22 بالمئة منهم، وقد يستمر معه حتى مرحلة المراهقة، وإذا لم يظهر في تلك المرحلة فإنه لا يظهر بعدها، يصيب الذكور أكثر من الإناث,وأوصت الدراسة الأبوين باتباع سياسة التشجيع المستمر منعا لتفاقم الظاهرة وتحولها إلى مرض نفسي، والاهتمام بتنمية أسلوب التحدي والمواجهة بداخله، مشيرة إلى أنهما سر نجاحه في حياته بعد ذلك.
جاء أيضا في كتاب “في بيتنا طفل عنيد “للدكتور ياسر نصر أستاذ علم نفس الطفل، أن مثل هؤلاء الأطفال الذين اعتادوا على قول كلمة “لا” هم الأكثر ذكاء مقارنة بباقي أقرانهم المطيعين، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بأوامر ونواه غير مستحبة، وطالب الكتاب الأم بضرورة تربية أطفالها على تعلم قول “لا” ورفض الأمور التي لا تتفق مع قناعاتهم أو مع ميولهم الشخصية، والأهم أن تتبع أسلوب النقاش الفعال الخالي من العقاب اللفظي أو البدني، لأنه نادرا ما يفيد في تعديل السلوك.

أطفال نبغاء
تقول منى نوح، ربة منزل: منذ أن أتم طفلي سن العاشرة، وهو معتاد رفض الأوامر وحتى النصائح لتعديل سلوكه، ما كان يصيبني بضيق شديد فألجأ لعقابه والصراخ المستمر في وجهه لأتفه الأسباب، لكنني كنت أتفاجأ بتزايد العناد والمبالغة فيهمن دون الخوف من الضرب أو ردود أفعالي القاسية، ما جعلني استعين بأحد خبراء علم نفس الطفل لاستشارته، فطمأنني بأن معظم الأطفال تصيبهم نوبات العناد المتكرر لأسباب عدة، وهي بالطبع ظاهرة نفسية صحية، بل بالعكس تنم عن ذكاء متقد وإرادة عالية، بإعادة النظر والتأمل لحاله وجدته بالفعل يمتاز بقدرة على تحصيل الدروس ومناقشتها مع أساتذته، والجميع يتنبأون له بمستقبل باهر.
تضيف: الغريب أيضا أن المعالج النفسي نصحني بضرورة تعليم الطفل رفض كل القرارات أو الإملاءات التي لا تجد ترحيبا من عقله وقلبه على حد سواء، أو حتى يمكنه مناقشتها مع المتخصصين للوصول إلى نتائج ترضيه، رغم أني كنت أعتقد أن الطفل المطيع الهادئ هو الأكثر قدرة على النجاح وتحقيق نتائج مذهلة، سواء بالدراسة أو الحياة العادية، إلا أن الدراسات الحديثة وجدت أنه شخصية من السهل استقطابها والتأثير عليها بالسلب.
تقول سميرة فضل، مديرة بإحدى الإدارات الطبية: رزقني الله بولدين أكبرهما الآن يعمل باحثا علميا بمجال علوم الفضاء بجامعة أوكسفورد. الثاني طبيب بإحدى المستشفيات الخاصة، منذ نعومة أظافرهما لمست الفروق الفردية في شخصيتيهما وطباعهما، فالأكبر كان يتسم بالعند والرفض الصريح لكل الأمور التي لا تعجبه، وكان يطلب مني مناقشته قبل إصدار أي أمر أو حتى نصيحة، ما كان يسبب لي إحباطا وإحساسا بعجزي عن تربيته تربية سليمة، أما الثاني فكان هادئ الطباع لا يصدر أي تبرم أو تململ من تلقى الأوامر والنصائح.
بمرور الأعوام كنت ألاحظ تميز الأكبر بالمواد العلمية التي تستدعي المناقشة والبحث والتحليل، ما جعله يحظى بتشجيع أساتذته ودعمه حتى أنه كان يحقق مراكز متقدمة بكل المسابقات العلمية التي تنظمها الدولة، وقد فضل الالتحاق بكلية العلوم رغم مجموعه الكبير بالثانوية العامة، ليس ذلك فقط، بل اختار دراسة الفضاء والعلوم الكونية لولعه بها وتوالت رحلة نجاحه حتى استطاع الالتحاق بجامعة أوكسفورد العريقة.

قدرات هائلة
يقول الدكتور أحمد أبو هارون اختصاصي الطب النفسي الطفل عادة يلجأ في سنوات عمره الأولى وحتى سن الثامنة الى فرض شخصيته ورغباته حتى لو كانت تحظى بمعارضة الأهل، رغبة منه في إثبات ذاته وتحقيقها وشعوره بأنه فرد فعال في عائلته، لذلك يلجا لأسلوب العناد والرفض المستمر حتى على أبسط الطلبات، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن معظم هؤلاء الأطفال يتمتعون بذكاء خارق وإرادة صلبة تجعلهم قادرين على تحقيق أهدافهم المستقبلية بعد ذلك، لرفضهم الخضوع وأن يظلوا حبيسي اعتقادات وطموحات الأهل. لافتا إلى أن دراسة ألمانية أجريت على بعض الأطفال الذين أتموا عامهم العاشر وتمتعوا بعناد ورفض، وفي المقابل على نفس العدد من الأطفال المطيعين الهادئين، فيما يتعلق بحل المسائل الحسابية الصعبة، فخلصت الدراسة أن القسم الأول تمتع بتصميم وإرادة لحلها من دون كلل، أما القسم الآخر، فقد استسلم بعد مرور دقائق وانطفأت بداخله الرغبة في معرفة الحل، وهذا يدل على عدم تمتعهم بالتصميم، وهذا ليس بغريب خصوصا أن هناك دراسات أكدت بأن الأطفال الأكثر عنادا يصلون عادة إلى مراكز قيادية عند كبرهم.
يضيف: على الوالدين عدم اتباع أساليب العقاب والإهانة والتي من شأنها أن تزيد عناد الطفل أو تفقده الثقة في ذاته، فينجم عن ذلك مشكلات نفسية كبرى كأن يميل إلى العنف والعدوانية، مطالبا إياهما بمدح سلوك الطفل وتحفيزه بشكل إيجابي ومناقشته في الأمور التي لا تلقى قبولا منهما، وتوجيهه بشكل تربوي. لافتا إلى أن الأم تحديدا عليها دور كبير في توجيه الطفل وتشكيل شخصيته، ومناقشته في أسباب رفضه وعناده لما تطلبه منه، وعليها أن ترسخ بداخله أن لا يقبل أو يؤمن بقناعات لا تتفق مع ميوله وأهوائه، لأن ذلك من شأنه أن يحدد ملامح مستقبله ويجعله يستطيع اختيار ما يتناسب مع قدراته التي يعرفها حق المعرفة من دون تدخل الأهل أو حتى المجتمع.

رغبة السيطرة
يقول الدكتور سلامة خطاب، استشاري نفسي: عادة يتسم الأطفال الذين اعتادوا قول “لا” بصفات مشتركة، أهمها الرغبة في السيطرة وتعني التحكم في حياتهم والسيطرة عليها، لأن ذلك يشعرهم بذاتهم ويرفع من الأنا لديهم، كما يتميزون بالانتهازية الاجتماعية والذكاء، الذي يجعل لديهم القدرة الغريبة على قراءة الشخصيات والغوص بداخلها عن طريق وضع تلك الشخصيات في اختبارات عدة لتفهم ردود الفعل وتوقعها وحسن استغلالها، الأهم أن لديهم قدرة غريبة على تحمل عاصفة من الغضب والعقاب، بل يشعرون بنشوة لذيذة، تلك الصفات السلبية قد تؤثر على صحتهم النفسية بعد ذلك، لذا على الأهل أن يغمروهم دوما بالحب ويحتضنوهم كأحد الأساليب التربوية الناجحة.
يضيف: أكدت الدراسات أن أغلب هؤلاء إذا ما وجدوا بيئة تربوية سليمة، يمكنهم تحقيق نجاحات لا مثيل لها سواء بالدراسة أو الحياة الاجتماعية من عقد صداقات وتنظيم رحلات، علاوة على تحقيق ما يطمحون إليه بكل السبل من دون فقد الثقة بالنفس، لافتا إلى أن الدراسات التربوية الحديثة اهتمت بتحديد الأسلوب الأمثل لتربية طفل شجاع قادر على خوض غمار التحدي، فخلصت إلى أن كبت الرفض وتعويد الطفل على الاستجابة دوما لطلبات الأهالي تجعله شخصية هشة، غير قادرة بعد ذلك على مواجهة التحديات ونصحت بضرورة أن يعبر الطفل عن رفضه وكراهيته للإملاءات التي لا يرضى عنها وهذا هو دور الأم.

مهارات اجتماعية
تقول الدكتورة سامية مرشد، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية: تعويد الطفل على الرفض يجعل منه شخصية اجتماعية ناجحة لديها القدرة على كسب الصداقات التي ترضى عنها وتشبع رغباتها وتتوافق معها، مؤكدة أن أغلب هؤلاء الأطفال لديهم ذكاء ونبوغ شديد، بحيث لا يرضى أي منهم بصداقات عابرة أو تفقده ثقته بالنفس، والمتأمل لحالهم سيجدهم دوما يحيطون أنفسهم بأقران يشبهونهم في التحدي والتصميم، كما يشكلون فريقا ناجحا،على عكس الأطفال الهادئين السلبيين، فهم يفتقرون إلى الثقة بالنفس وعدم الاعتداد بها وتقديرها، لذا تجدهم يمتلكون أصدقاء كثر لكنهم غير نافعين.
تتابع: يجب أن يكون للمجتمع دور كبير في تدعيم تلك الصفـــــة والأسرة أيضا، لأن كل طفل يختلف عن الآخر، وعلى الأم أن يكون لديها وعي حول ذلك، وأن تكسب ثقة وصداقة طفلها وتناقشه في كل الأمور وتأخذ آراءه في كل كبيرة وصغيرة، لأن ذلك يساهم في صنع شخصية قيادية تعشق النقاش،وحتى إذا رفض الأمر برمته، عليها أن تقترب منه وتستمع إلى حججه وتحترمها مهما كانت بسيطة

You might also like