الطيب بيتي يصف المشاركين في الربيع العربي بالهمج المغفلين: بعد إزالة “الدواعش” سيظهر الحاكم التركي بأمر الله في أنقرة مؤكداً أن المشروع الغربي لبلقنة الدول العربية مازال في بداياته

النخب السياسية في غيبوبة… منشغلة بأجنداتها… تعاني من تضخم الذات والعظمة الزائفة

الغرب كان يعرف مسبقا أن “الحركات الإسلامية” على طول الخط العربي فاشلة

“الخلافة الإسلامية” سبوبة تركيا لذر الرماد في عيون المغفلين

الغرب المتآمر حقق بالحيلة والمكر من خلال “ربيع المغفلين” ما لم يحققه بالاحتلال المباشر في المنطقة العربية

إخوان القرضاوي استخدمهم الغرب لضرب المعتقد الإسلامي… والثورة المضادة واردة في مصر

القاهرة – محسن حسن:

في الوقت الذي سارع كثير من مثقفي المنطقة العربية, الى اطلاق عدد من المسميات والألقاب الرنانة على ثورات الشعوب العربية مثل “الصحوة الاسلامية العظمي”, و”الظاهرة الصحية المتفردة في التاريخ العالمي المعاصر”, الى غير ذلك من ألقاب المدح, الثناء, التعظيم, خرج المفكر والمحلل الستراتيجي المغربي المقيم بالعاصمة الفرنسية باريس, الدكتور “الطيب بيتي” على الناس بكتابه الجديد “ربيع المغفلين” الصادر في القاهرة, يحمل فكراً مخالفاً وانتقاداً شديداً لهذه الثورات, معتبراً اياهاً ضرباً من الغفلة ونهجاً من السوقية والغوغائية, بل وانسياقاً وراء مخطط غربي, ومؤامرة عالمية تقودها أوروبا وأميركا لتفكيك الجغرافيا العربية من أجل تحقيق حلم كيان قزمي راغب في بسط هيمنته على الشعوب والحضارات والأمم.
في حواره مع “السياسة”, أكد “الطيب بيتي” أن ظهور ما يعرف بـ “الدولة الاسلامية في العراق والشام داعش”, وجبهة” النصرة “, انما هو جزء لا يتجزأ من ذلك المخطط الغربي المحكم, مؤكداً أن ما أطلقوا عليه “الربيع العربي” لا يمكن الفصل بينه وبين مخططات الغرب وأطماعهم في المنطقة.

كيف نفرق بين الثورة والتمرد?
هذا الموضوع شائك ومثير للجدل وفق خبراتنا في دراسة الثورات الغربية, فثورات الربيع الأوروبي العام 1848 رغم ما شهدته من أحداث عنف دموية, الا أنها لا تزال محل خلاف لدى مراكز الأبحاث بمختلف مدارسها السوسيولوجية ذلك أنهم يفرقون بين ما هو “تمرد Révolte”, وبين ما هو “ثورة Révolution” بالمعني الاصطلاحي, كما أن الثورات التاريخية ليست واحدة, فهناك ثورات “تقدمية ـ تعديلية” كما حصل في الولايات المتحدة, أو ثورات “كلاسيكية”, “ماركسية”, “ليبرالية”, “تعديلية” كما حدث في فرنسا, وهناك “ما يسمي ب “الثورات المضادة” أو “الثورات التصحيحية” وهي التي سيحققها الغرب عما قريب.
وفق هذه الاعتبارات هل يعد الربيع العربي “ثورة”?
بالطبع لا, فالثورة بمعناها الاصطلاحي والعلمي تعني تغييراً سياسياً مفاجئاً في الأنظمة, الأوضاع السياسية والاجتماعية, وبشكل مغاير تماماً ـ في السرعة والمضمون والأسلوب ـ لأي تحولات تدريجية نمطية كتلك التي تحدث في العالم العربي, ومن ثم فانه لا يمكن اطلاق صفة “ثورة” على كل تلك الأحداث التي فقدت بريقها سريعاً في نفوس “الربيعيين”.
يقولون “الربيع العربي” فما المصطلح الذي تصفها به?
لن أكون أكثر ابداعا من”ت.س.اليوت” الذي زعزعت الحرب الهمجية الفتاكة العام 1914 جيله من “الكانطيين – الهيغليين”, فوصف الأوربيين شعوبا ونخبا, وساسة في قصيدته “الأرض الخراب” التي نظمها العام 1922 بـ “جحافل الهمج الذين ينساحون عبر السهول يخربون المدن الحضارية الأوروبية التي يمثل كل منها مركزا ثقافيا وحضاريا وروحيا عظيما”, ولكني من باب المقايسة, لا المفاضلة, سأسمي “أحداث الربيع العربي” وما نتج عنها من “فوضى” بـ”هبات الخراب”.
أين اذن من يطلقون عليهم “أيقونات” الثورات العربية من وجهة نظرك?
هذه كلها شطحات وبذاءات وانسياق أعمى وراء البهاليل والمغفلين, وفي كتابي أفردت فصولاً كاملة لابطال كل تلك الألقاب والمسميات ففي الفصل الخامس أبطلت مسمى “ربيع” ومصطلحه الخرافي, وفي الفصل التاسع, تحت عنوان “من الياسمينة الصغري الى الفتنة الكبري” أبطلت أسطورة “الياسمينة والبوعزيزي”, ومما يؤسف له انخداع الشعوب العربية وترديدها ما يقال دون إعمال عقل أو تفكير, أو حتى اكتشاف العوامل الخارجية المندسة بين كل تلك الأحداث.
مؤامرة غربية داعشية
ما ملامح المؤامرة الغربية في “الربيع العربي”?
لعل ما نطق به عراب الربيع العربي “بيرنار هنري ليفي” يكشف جزءاً من تفاصيل تلك المؤامرة فبعد عرض فيلمه “الطريق الى طبرق” بمهرجان “كان” السينمائي الدولي, والذي يدور حول نجاحه الباهر في “الربيع الليبي” قال بالحرف الواحد, “الربيعيون” هم لعبتنا الأولية, والحكومات الانتقالية العربية الجديدة أدواتنا الحالية, والربيع العربي هو حصان طروادة للتعجيل “بالنهاية” لتحقيق مشروعنا التوراتي, وستكون شعوب الربيع العربي وقودا لحروبنا القادمة, ودمشق هي كعب أخيل للسيطرة النهائية على الجغرافية العربية لنصل الى طهران, – معقل الشر – لنجر الروس والصينيين لأول مرة الى مواجهة فاصلة معنا ستكون نهايتهما الحتمية على أيدينا, لنتمكن من سحق الشعوب الشريرة”. ليس هذا فحسب, بل ما تشهده حروب العصابات في سورية والعراق ودول أخرى, يعد ملمحاً آخر من ملامح المؤامرة ذاتها.
هل تقصد المواجهات العربية مع جيوش داعش والنصرة وغيرها?
نعم, بالتأكيد, فمما لا يعرفه ـ أو يعرفه ويتغافل عنه ـ كثيرون أن الكيانات المسلحة في سورية والعراق, من صنع المخابرات الغربية فداعش والنصرة ظهرتا كنتيجة مدبرة لاختلاق ما يسمي بـ “الثورة السورية” للتخلص من بشار بالتنحية أو القتل, تماماً مثلما حدث للتخلص من قذافي ليبيا فقد تم انتقاء كل المجرمين والمرتزقة الدمويين وفق سيناريو أميركي – أوروبي, واستجلابهم الى داخل الأراضي السورية تساندهم عشرات الفرق التكفيرية التي تم استنباتها خصيصاً لتلعب دورها في تنفيذ المخطط, وهكذا تم تخليق النصرة والدواعش في المنطقة.
هل عنف الكيانات المسلحة مثل داعش والنصرة أمر مقصود?
بالطبع, أمر مقصود, فعدد القتلى والضحايا في المنطقة العربية أمر لا يشغل بال الحكام الجدد في الغرب, خصوصاً اذا تعلق الأمر بأهداف عسكرية, ستراتيجية, سياسية, وكذلك موقف الغرب الآن بالنسبة لدموية وعنف داعش والنصرة, فهما مزروعتان بالأساس ليلعبا هذا الدور العنيف, من خلال تصفية الأجواء, وهدم العمران, وتركيع المخالفين والمحايدين على السواء, باعتبارهما من الكيانات المؤقتة والانتقالية المناسبة للمرحلة ككل الكيانات الربيعية والحكومات “الكاستينغ” في كل من تونس وليبيا واليمن.
ماذا عن النفعية المتبادلة بين الغرب وهذه الكيانات المأجورة في الداخل والخارج?
النفعية المتبادلة هي الأساس في كل ذلك, فالغرب وجد ضالته المنشودة في زعزعة استقرار المنطقة, وهو ما يتيح له التدخل وفق أجندته الدائمة لمحاربة الارهاب وسحق المنطقة علانية تحت دعم مكتسب من قبل الجهات الدولية والاقليمية, أما مرتزقة المحاربين والمسلحين والمتصعلكين القادمين من بقاع شتى مثل جاكرتا, طنجة, المتوسط, الجنوب الأوروبي, فقد وجدوا ضالتهم أيضاً فيما يتحصلون عليه من مقابل, مالا كان أو مخدرات, وحتى المتعة الجنسية مع الدواعشيات النواعم ممن تم استجلابهن من مواخير شرق أوروبا وخصوصاً ألبانيا, صربيا, كوسوفو عن طريق تجار الرقيق الأبيض, وهكذا تلتقي المصالح والمنافع لتقوم بدورها المرسوم في المنطقة, وعبر غفلة الحكومات والشعوب العربية, وليتحقق للغرب بالحيلة والمكر ما لم يتحقق لهم كمحتلين مباشرين.
هل هذا ما قصدته بـنظرية “عصير البرتقالة” الواردة في الفصل الرابع عشر من كتابك?
نعم, هذا بالضبط ما قصدته فمن خلال تلك السيناريوهات الغربية المرسومة بدقة واحكام, يتم تفكيك الملامح الجغرافية العربية بشكل كامل, عبر احلال وتجديد واستبدال الأنظمة, واستبعاد الدمي الحاكمة في المنطقة ممن أنهوا مهماتهم الولائية للغرب, ومن المؤسف أن يتم هذا في ظل غفلة عربية مفجعة, وتحت ستار مصطلحات رنانة خادعة كمصطلح “الربيع العربي”, وغيره من المسميات, وأيضاً تحت حالة من السبات العميق للوعي والفكر العربي, الذي لم ينشغل حتى بالسؤال عن المستفيد الحقيقي من استنبات “الزعقات” العربية وتنامي الحمق العربي. وعلى رأس هؤلاء تأتي النخب العربية المثقفة.
الخلافة التركية الجديدة
لماذا تم زرع داعش على الحدود السورية والعراقية وبعض الدول الأخرى كلبنان والأردن حالياً, وضد من?
هناك أكثر من اثنتين وأربعين دولة تابعة للبنتاغون وحلف شمال الأطلسي, وهو ما يعرف باسم “التحالف الدولي”, وهو المحرك الأساسي للدواعش في هذه المناطق التي ذكرتها فمن وجهة النظر الـ “جيو ـ ستراتيجية” تعد هذه المناطق حاضنة ستراتيجية محكمة لتحقيق أهداف التحالف أولاً لضمان أمن اسرائيل في معاركها المتكررة مع غزة, وثانياً ليسهل على التحالف الحصول على الامدادات العسكرية واللوجستية من “تركيا” التي تمثل نقطة الارتكاز والاتصال الأقرب للحصول على كل ذلك, وثالثاً, وهي الاجابة على الجزئية الثانية من السؤال, لضمان تحصين المنطقة والتحرك السريع ضد أية تدخلات ايرانية, روسية, صينية محتملة, وكذلك ضد كل أعداء الغرب من داخل المنطقة ومن خارجها, ولعل أبسط ما سيفاجئنا به التحالف الدولي ما بين عامي 2015 – 2016 بعد ازالة الدواعش واقصاء مصر من المشهد السياسي العربي, هو قيامه باعلان “حاكم بأمر الله” مقره “أنقرة” باعتبارها عاصمة للعثمانيين الجدد.
هل يعني ذلك امكانية أن تصبح تركيا لاعباً أساسياً في ميدان الاسلام السياسي في المنطقة خصوصاً بعد صعود نجم أردوغان?
منذ أن فتح الغرب “ثلاجته المغلقة” من أجل التغيير منذ نهاية الحرب الباردة عبر الحروب العنيفة المدمرة البوشية (العراق – أفغانستان) أو عبر”الحروب الناعمة الأوبامية (الثورات الملونة في أوروبا الشرقية), والربيع العربي على الجغرافية العربية ثم تفجير الفتن الداخلية في العالم العربي, والأحداث اليومية المفاجئة متلاحقة فالمشروع الغربي – في هجمته ما قبل الأخيرة ـ لا يزال في بداياته, وستزداد الأوضاع تعقيدا – وخصوصاً في مصر, سورية, لبنان, دول الخليج كلها, بحيث ستكون الشعوب الخليجية مستقبلاً هي أول من سيتم توجيه الأطماع اليها لمحاولة “بلعها” سواء عبر ما يسمي الآن ب “الدولة الاسلامية” الحالية أو “دولة الخلافة القادمة”, وكلاهما يراهن على انتهاء الدور الخليجي, وتحدوهما الرغبة الملحة في دمج شعوب تلك المنطقة وضمها لـ “مشروع الخلافة” كأكبر خزان للنفط والطاقة, وما ذلك الا للابقاء على تركيا من جهة ولتمديد حياة الغرب من جهة ثانية, والمستفيد الأول والأخير هو “اسرائيل”. ومن الملاحظ أنه بعد دخول تركيا الفجائي في المستنقع الآسن الذي اختلقته الامبراطورية في العهد البوشي لحماية خلفياتها وضمان مصالحها في “الشرق” الذي أصبح أكثر حيوية للأتراك بعد “أوربتهم”, قررت لأسباب براغماتية أجمع عليها الأردوغانيون, العلمانيون, الجنرالات, أنه من الأحوط الحفاظ على التتريك “الأتاتوركي” الحالي كـ “مرحلة انتقالية” أخيرة لانجاز “الامبراطورية العثمانية “الكلاسيكية” غير أنه ذراً للرماد في العيون, وتسقطا للأغيار من القوميين العرب والعروبيين المعادين لـ “العثمنة”, كان لابد من الحديث عن “الخلافة” لضمان دخول كل المغفلين والمستحمرين من “الاسلامويين” العرب وخصوصاً “الربيعيين”, تحت الراية التركية.
اذن فالاندماج التركي في أوروبا مسألة مؤقتة ومرهونة بالمصالح المتبادلة?
نعم, هذا صحيح فليس من مصلحة تركيا الاندماج في أوروبا لأنها تعرف بأنها الخاسرة بالركوب على متن الباخرة الغارقة – التي هي أوروبا – خصوصاً بعد أن استوعب التركي البراغماتي أن “الكعكة” الحقيقية هي الجغرافيا العربية التي يتطاحن على اقتسامها كواسرالغرب ولصوصهم لأن أوروبا “المريضة” لم تعد تعني الأتراك في شيء بسبب ما تعانيه من أزمات اقتصادية داخلية, بحيث سيكون الغرب هو المستفيد من دخول تركيا الى المجموعة الأوروبية لضمان 90 مليون مستهلك تركي للسلع الأوروبية, ورخص الأيدي العاملة المتوافرة ـ وذلك بعد أن انجرت أوروبا الى القعر, منذ بداية الأزمة المفاجئة التي أصابت اليونان في شهر مارس من العام 2010, والتي لم تكن سوى ضريبة أخطاء كبار لصوص أوروبا التاريخيين فرنسا, بريطانيا, ايطاليا, ليدفع البلد الأضعف – اليونان – بلد سقراط, أفلاطون, أرسطو, ثمن أكبر عملية نصب مالي مقنن في تاريخ الغرب, ابتلي بها العم سام العام .2008

الأنا الأميركية والعالم

ما تقييمك لـ “الأنا الأميركية” باعتبارها الممثلة الأولى للغرب في المنطقة والعالم حالياً?
الأنا الأميركية متأرجحة ما بين “مد عدوانية التوسع وتهديد كوابح الأزمات” و”جزر كوابس الارتعاب من تكتل شعوب اليابسة ضد الامبراطورية”.
ماذا بقي لهذه “الأنا الأميركية” لكي تستمر?
هذه الأنا يمكن تلخيصها عبر معادلة غير قابلة للتغيير الى أن تزول “الحضارة الغربية” التي تمثل “الأنا الأميركية” أقصى جوانبها “التقدمية” و”العصرانية”, “الحداثية”, “الانسانوية” في أبشع صورها, والمتمثلة في “خطاب التأسيس للرئيس واشنطن 1776, نظرية “المصير المبين” في القرن التاسع عشر المؤصلة للفلسفة البراغماتية الأميركية المقيتة التي لا يعرف العرب مدلولاتها ولا أبعادها رغم الترطين بها في الصبح والعشي, مبدأ مونرو “الحمائي”, نقاط ولسون الأربع عشرة, ميثاق الأطلنطي والأمم المتحدة, “أمركة العالم” لفرانكلين روزفلت, خطة مارشال, الحرب الباردة, انهيار الاتحاد السوفياتي, الحرب الحضارية الأولى ضد الشرق, حربا الخليج, حرب أفغانستان, الحملة على الارهاب, حروب الناتو الجديد “المقدسة” منذ التسعينات مع حرب كوسوفو لاستئصال “الاسلام الأبيض” في أوروبا.
هل هناك أهداف معلنة لهذه المعادلة والأنا المرتبطة بها?
نعم, بالتأكيد فالأهداف المعلنة هي تقديم أميركا للعالم بصورة أكثر تعقلا من الملكيات الامبريالية الأوروبية في القرن التاسع عشر, أو ديكتاتوريات القرن العشرين, أو الأنظمة الشرقية المارقة القادمة من روسيا, الصين وايران, في القرن الواحد والعشرين التي يطلق عليها “بلاد العماء المبين” كما تم تدوينها في أدبيات التصور الجيو سياسي للسياسة الأميركية القائمة على العهدين القديم والجديد و”أنوار الماسونية” لتحقق أميركا بذلك كما وصفها الرئيس إبراهام لنكولون, “آخرأفضل أمل للعالم”. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو, هل هي كذلك وهل تحول العالم تحت الهيمنة الأميركية والغربية الى “أفضل العوالم” أم الى أراض الرعب والخراب?

مصر والإخوان والغرب

ما تقييمك للموقف الغربي تجاه مصر وهل بالامكان حدوث ثورة مضادة فيها خلال المرحلة المقبلة?
في ظل وجود رغبة “قرضاوية”, نسبة للقرضاوي, في وجود خلافة اسلامية على أرض الكنانة, جنباً الى جنب مع تواجد أكثر من خمسة عشر مليون سلفي واخواني, وفي ظل امكانية تحالف الفلول مع الأحزاب البراغماتية الراغبة في التحالف حتى مع الشيطان نفسه, تبقى “الثورة المضادة” قائمة ومحتملة, وهذا الوضع المصري المتأرجح هو ما يريده الغربيون, لأنه يعزلها كطرف فاعل في قضايا المنطقة ويحولها لمجرد تابع سياسي وستراتيجي, ولتحقيق مكاسب أخرى في أقطار مجاورة.
هل تم استغلال الاخوان من قبل الغرب لتحقيق مكاسب?
الغرب كان يعرف مسبقا بأن “الحركات الاسلامية” على طول الخط العربي فاشلة, لذا فقد قرر التخلص من متبقيات الورع الديني الفطري المتأصل في بقايا بعض النفوس العربية, عبرتمكين الاخوان “الفاشلين تنظيريا” من السلطة ليظهر لكل المؤمنين بالاسلام “كمنهج حياة”, وهو الطرح الاخواني, بأن الاسلام مجرد دعاوى باطلة ومراهانات فاشلة ومضاربات ماكيافيلية – ماركانتيلية, هدفها النفعية كباقي كل الحركات البراغماتية مثل فاشية موسوليني, ونازية هتلر, ولقد نجح الغرب في ذلك أيما نجاح.

النخبة والربيع العربي

ما تقييمك للنخبة المثقفة وتداولها أحداث الربيع العربي?
سقط معظمها في شأن الربيع العربي, سقوطا مشينا, من أصغر صحافي واعلامي الى أكبر باحث أكاديمي أو منظر حزبي, فالمثقفون تشاطحوا شطح المجاذيب عند نشوة الزار, ولم يتأنوا لكي يوقفوا ذلك “الحدث الطارئ”عند حدود “التأريخ” له بالتحليل المنهجي والتوثيق الأكاديمي, بل انطلقوا به منذ بداياته في كل الأسواق المحلية, الاقليمية, الدولية, عبر الاعلام العربي والدولي المسير والمأجور, بشهادات البهتان والزور, لتتحول عند سذج وبلهاء المتلقين الى حقائق ومسلمات, فركب الكل على “بساط ريح الربيع العربي” الطيار, ليصلوا بواسطته الى عِلِيين, وليأخذ كل مغفل, مدلس وناعق, حاجته من الثرثرة والسفسطة.
لكن أليس من حق النخب أن تختلف أو تتفق بشأن هذه الظاهرة أو غيرها?
بلى, الاختلاف من حق الجميع, ولكن ليس من حق اي كان أن يمارس أي نوع من الارهاب الكلي أو النسبي على الآخرين, بأن يدعي أحقية تصدر حصرية توجيه الناس, سواء عن طريق التفكير العقدي (المذهبي – الفقهي), الأيديولوجي, السياسي, الثقافي, وسواء عن طريق الترشيد العام قيادة, كتابة, خطابة واعلاما, اللهم الا اذا وقف في دائرة الفكر الموضوعي, وتخلق بالموقف الأخلاقي, وتمسك بمواصفات الحدود العلمية المنفصلة عن الميول الشخصية والأهداف المغرضة قدر الامكان, أما ما عدا ذلك فليس الا ضربا من الخلط, التخمين, السفسطة, والتدليس.
كيف ترى النخب السياسية في ظل الوضع العربي الراهن?
النخب السياسية كغيرها من النخب الأخرى لا خير فيها, وهي في أحسن الأحوال “مستقيلة”, وغائبة وان لم تكن في غيبوبة تامة ومنشغلة بأجنداتها الخصوصية, وهي نخب تصارع آفات الشعور بالعظمة الزائفة, وتضخم الأنا, وهي ظاهرة بيو – ثقافية, تخص معظم الساسة, النخب, المثقفين, المبدعين العرب بدرجات متفاوتة الا من رحم ربي. فالنخب السياسية والمثقفة هي نخب رسالية مبدئيا, والنهضة نفسها مسألة وعي, قرار, ارادة, وما استشراء الفساد في الشعوب العربية, الا دليل على فساد النخبة وغياب المشروع, وسيظل العرب يعانون من عدم وجود النخبة القادرة والصادقة, وعدم جود المشروع, ولو استنبتوا ألف ربيع وربيع, والا فليوضح لنا الربيعيون الذين تسنموا السلطة, ما مشروعهم? وما أهدافه الفورية والمتوسطة المدى والبعيدة المدى?. للأسف لا شيء سوى رياح الشمال كما يقول الفرنسيون.

بدائل الثورة العربية

ما البدائل المتاحة أمام الشعوب العربية بعيداً عن صور الاحتجاج الثوري التي نشهدها?
لا خيار للشعوب العربية والحالة هكذا, الا أن تتغير اما بقهر “النفس” بالنقد الذاتي والعودة الى “الرشدية” خارج المفهوم “السلفوي” بصورته الحالية, والتي هي الأصل في بلايا الأمة منذ القرن الثامن الهجري, من خلال اعادة تحديد مصادر مصطلح “السلفية والسلف الصالح”, عبر فتح حوار حقيقي داخلي (عربي – عربي), وطرح كل المذاهب السنية والشيعية والخارجية – خصوصاً الاباضية – على بساط المناقشة والنقد والحوار, مع محاولة الاستفادة من تجارب الموروث الاسلامي المعاصر للشعوب الآسيوية المسلمة التي حققت طفرة اقتصادية وتنموية مع ظاهرة “النمور الآسيوية في الثمانينات, والتي يحاول الغرب كسرها, مثل ماليزيا, إندونيسيا وايران, وبالتالي فلن تجدي كل وصفات العطارين الاقتصادية والتنموية أو “الخيماويات” السحرية والوعظية التي تنتهجها بعض الدول الربيعية الآن كمصر وتونس, فكل هذه الترقيعات غير كافية لتكييف الشعوب وتطويع عقلياتها وفق المقتضيات “الذهنولوجية” لعصر الهيمنة الغربية التي وصلت مداها في هبات الخراب العربي.
كيف ترى المستقبل القريب محلياً وعالمياً?
خطير في حد ذاته, ويحمل في طياته مفاجآت وحروب غير مسبوقة معدة للجغرافيا العربية بغية التقسيم والبلقنة, وخطير لكون العرب غير مهيئين لمواجهة رياح التغيير الغربية العاصفة ولغفلة الشعوب عن المخاطر المحدقة على جميع الأصعدة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.