العام 2018 …المواجهات الساخنة

حمد أحمد عبدالعزيز العامر

السفير حمد أحمد عبدالعزيز العامر

تعتبر زيارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب التاريخية إلى المملكة العربية السعودية التي تمَّت في مايو 2017 كأول زيارة خارجية له بعد مرور مئة يوم على دخوله البيت الأبيض، زيارة تاريخية ومهمة بكل المقاييس، أراد ترامب من خلالها توجيه رسالة مهمة مفادها أن السعودية هي الشريك التاريخي والستراتيجي لبلاده، وأن الشراكة السعودية-الاميركية تتجاوز التجارة والاقتصاد والاستثمار إلى محاربة الإرهاب والتطرف ومواجهة العنف والأفكار التي تغذيه والدول التي تموله، وذلك في سبيل الوصول إلى عالم يسوده الأمن والسلام والاستقرار، رغم سياسة سلفه باراك أوباما الذي حاول الخروج عن هذه الستراتيجية بتعزيز علاقاته مع تحالفات إقليمية أخرى كإيران وقطر.
لقد كانت للرئيس السابق باراك أوباما سياسة خارجية أدواتها مجموعة من دعاة حماية حقوق الإنسان في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، فأصبح مسار العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية الاميركية مع السعودية وعدد من دول «مجلس التعاون» كمملكة البحرين تُقاس وفقاً لمدى احترام هذه الدول لحقوق الإنسان وتطبيقها لمبدأ التعددية وسقف حرية الرأي والتعبير فيها وفق المنظور الاميركي.
فوقفت الإدارة الاميركية، آنذاك، وراء نشر الفوضى والدمار ودعم الإرهاب والإرهابيين في عدد من دول «مجلس التعاون» والدول العربية، مستعينة بدولة عربية معروفة التي كانت مهمتها الأساسية تمويل المؤامرات وعمليات التدريب على الخروج على الحكومات الشرعية والإعداد للمظاهرات والاعتصامات وتجييش الشارع العربي، وتأطير هذه الثورات والمطالبات الشعبية بالإطار الحقوقي والقانوني من خلال استغلال مجلس الجامعة العربية الذي ترأسته لفترة طويلة على مستوى وزراء الخارجية لتمرير عدد من القرارات ضد بعض الدول العربية التي شهدت تحركات ومظاهرات في شوارعها.
لذلك؛ فإن المنطقة العربية تعيش حاليا لحظات فاصلة في تاريخها، ويمكن اعتبارها «لحظات المواجهة الكبرى» بسبب التداعيات الخطيرة والمتسارعة التي تمر بها دول «مجلس التعاون» بسبب الأحداث المؤسفة التي دعمتها الإدارة الاميركية السابقة وموَّلتها قطر واستغلتها إيران لتحقيق أهدافها الطائفية ونشر المذهب الشيعي في أرجاء الوطن العربي، ومن أهم تلك التداعيات بالغة الخطورة:
أولاً: الأزمة القطرية، التي تفجَّرت في يونيو 2017 واستغلتها قطر لتسهيل دخول القوات التركية والإيرانية إلى أراضيها في انتهاك صريح للاتفاقية الأمنية واتفاقية الدفاع المشترك الموقعتين من الدول الأعضاء بـ»مجلس التعاون»، بما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الخليجي وبخاصة للسعودية ومملكة البحرين؛ وهو ما اضطرهما لاتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية الصارمة ضد قطر لمنعها من استغلال حرية التنقل بين دول المجلس لتنفيذ مؤامراتها.
ثانياً: التحول الذي يشهده الصراع في اليمن بين قوات التحالف العربي العسكري وإيران التي زوَّدت حلفائها الحوثيين بالدعم اللوجستي والمالي الكامل الذي أتاح لهم استهداف مطار الرياض الدولي وقصر اليمامة بالصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ويشكِّل هذا التطور العسكري الكبير خطورة بالغة على أمن المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج العربي عموماً، ويؤكد على الدور الأساسي الذي تؤديه إيران في دعم الحوثيين لتحقيق الأهداف الإيرانية بالتوسع وبسط النفوذ.
ثالثاً: صدور قرار الرئيس دونالد ترامب يوم 6 ديسمبر 2017 بنقل مقر السفارة الاميركية إلى القدس، وما سبَّبه من تداعيات خطيرة على العلاقات العربية- الاميركية، وما أثاره من تساؤلات كثيرة وشكوك حول العلاقات الخليجية الاميركية والتطبيع مع إسرائيل، خصوصاً مع وجود العديد من الاتفاقات والتفاهمات السياسية المتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي والرؤية الاميركية الجديدة التي تتفق مع السعودية في التعامل مع التهديدات الإيرانية والتوسع الإيراني في سورية واستخدامها للميليشيات التي تعرِّض المنطقة والمصالح الاميركية للخطر.
فلكي تكتمل الستراتيجية الأمنية الاميركية السعودية المشتركة، يجب أن يكون لعدد من دول الإقليم، كالسعودية والبحرين والإمارات ومصر، دور في ستراتيجية احتواء إيران والتصدي لأطماعها، وبخاصة بعد أن حقَّقت روسيا أهدافها بتدخلها الميداني في الصراع الدائر في سورية بتثبيت أقدامها وقواعدها الجوية والبحرية هناك، ويجب أن يكون واضحاً أن الهدف من احتواء إيران ليس تغيير النظام، بل الضغط عليها لاحترام مبدأ حُسن الجوار مع جيرانها وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية من منطلقات طائفية دينية أدت إلى إحداث شروخ عميقة في جسد العلاقات الخليجية العربية- الإيرانية وازدياد الفرقة والعداء في المجتمع العربي وانقسامه منذ نجاح الثورة الخمينية في العام 1979.
إن العلاقات الخليجية الاميركية تسير خلال هذه الفترة على الطريق الصحيح، وأي هجوم تقوده الأقلام الصحافية والفضائيات المأجورة التابعة لإيران أو قطر على تلك العلاقات ووصفها بعبارات الخيانة وبيع قضية فلسطين وتطبيع العلاقات مع إسرائيل مردود عليها ولا يجب الالتفات إليها؛ فأهل مكة أدرى بشعابها؛ لذلك فإن على السعودية والبحرين والإمارات الدفع نحو تعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة الاميركية من خلال وضع الآليات القوية لبناء علاقات ستراتيجية وتجارية واقتصادية أكثر قوة ومتانة تتبعها في النهاية تفاهمات وتنسيق مؤثر حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، خصوصا ما يتعلق منها باحتواء الأطماع الإيرانية وتحجيم دورها ووضعها في مكانها الصحيح.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية و»مجلس التعاون»