العبر على نوائب الدهر حكايات عربية للعبرة والتسلية (16)

0 13

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلا من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

الصبر من أسباب النجاح والفلاح في كل الأمور، ويعتبره البعض من الفضائل والمكرمات، وفيه توطئة النفس على احتمال الشدائد والمصائب ونوائب الدهر، لما له من فضل في جلب السعادة والسرور في الدنيا والآخرة، ولقد أدرك العرب، وخصوصا بعد ظهور الإسلام كل هذه الأشياء، فلقد مدح الله تعالى الصبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وأمر به، وجعل أكثر الخيرات مضافا إلى الصبر، وأثنى على فاعله، وأخبر أنه سبحانه وتعالى معه، وحث على التثبت في الأشياء، ومجانبة الاستعجال فيها، فمن ذلك قوله تعالى: “(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).. [البقرة : 153]. فبدأ بالصبر قبل الصلاة، ثم جعل نفسه مع الصابرين دون المصلين. قوله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” [الزمر :10 ]. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار كثيرة، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “النصر في الصبر”. وقوله عليه الصلاة والسلام: “بالصبر يتوقع الفرج”. وقوله: “الأناة من الله تعالى والعجلة من الشيطان، فمن هداه الله تعالى بنور توفيقه ألهمه الصبر في مواطن طلباته والتثبت في حركاته وسكناته، وكثيرا ما أدرك الصابر مرامه أو كاد، وفات المستعجل غرضه أو كاد”. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا حط الله بها من خطاياه”.وقال صلى الله عليه وسلم: “إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”. رواه الترمذي، وقال حديث حسن.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: احفظوا عني خمسا. اثنتين واثنتين وواحدة. لا يخافن أحدكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي أحد منكم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم أن يقول لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور، وأيما رجل حبسه السلطان ظلما، فمات في حبسه مات شهيدا فإن ضربه فمات، فهو شهيد.
وكان الصالحون يفرحون بالشدة لأجل غفران الذنوب لأن فيها كفارة السيئات ورفع الدرجات.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ثلاث من رزقهن فقد رزق خيري الدنيا والآخرة. الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء.
وحكي أن امرأة من بني إسرائيل لم يكن لها إلا دجاجة، فسرقها سارق، فصبرت وردت أمرها إلى الله، ولم تدع عليه، فلما ذبحها السارق، ونتف ريشها نبت جميعهن في وجهه، فسعى في إزالته فلم يقدر على ذلك إلى أن أتى حبرا من أحبار بني إسرائيل، فشكا له، فقال: لا أجد لك دواء إلا أن تدعو عليك هذه المرأة، فأرسل إليها من قال لها: أين دجاجتك؟ فقالت: سرقت، فقال: لقد آذاك من سرقها. قالت: قد فعل، ولم تدع عليه. قال: وقد فجعك في بيضها. قالت هو كذلك، فما زال بها حتى أثار الغضب منها، فدعت عليه، فتساقط الريش من وجهه، فقيل لذلك الحبر: من أين علمت ذلك؟ قال: لأنها لما صبرت ولم تدع عليه انتصر الله لها، فلما انتصرت لنفسها ودعت عليه سقط الريش من وجهه. فالواجب على العبد أن يصبر على ما يصيبه من الشدة، ويحمد الله ويعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا، وأن المصائب والرزايا إذا توالت أعقبها الفرج والفرح عاجلا.
ومن أحسن ما قيل في ذلك من المنظوم:
وإذا مسك الزمان بضر
عظمت دونه الخطوب وجلت
وأتت بعده نوائب أخرى
سئمت نفسك الحياة وملت
فاصطبر وانتظر بلوغ الأماني
فالرزايا إذا توالت تولت
وإذا أوهنت قواك وجلت
كشفت عنك جملة وتخلت

ونقل عن محمد بن الحسن رحمه الله قال: كنت معتقلا بالكوفة، فخرجت يوما من السجن مع بعض الرجال وقد زاد همي وكادت نفسي أن تزهق وضاقت علي الأرض بما رحبت، وإذا برجل عليه آثار العبادة قد أقبل علي ورأى ما أنا فيه من الكآبة فقال: ما حالك؟ فأخبرته القصة، فقال: الصبر الصبر، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الصبر ستر الكروب وعون على الخطوب”. وروي عن ابن عمه علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الصبر مطية لا تدبر وسيف لا يكل، وأنا أقول:
ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله
عند الإله وأنجاه من الجزع
من شد بالصبر كفا عند مؤلمه
ألوت يداه بحبل غير منقطع
فقلت: بالله عليك زدني، فقد وجدت بك راحة.
فقال: ما يحضرني شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولكني أقول:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره
ومن ليس في كل الأمور له كفو
لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه
لقد يجتنى من بعده الثمر الحلو

ثم ذهب، فسألت عنه، فما وجدت أحدا يعرفه ولا رآه أحد قبل ذلك في الكوفة، ثم أخرجت في ذلك اليوم من السجن، وقد حصل لي سرور عظيم بما سمعت منه وانتفعت به، ووقع في نفسي أنه من الأبدال الصالحين قيضه الله تعالى لي يوقظني ويؤدبني ويسليني.
وقيل: إن رجلا كان يضرب بالسياط ويجلد جلدا بليغا، ولم يتكلم ويصبر ولم يتأوه، فوقف عليه بعض مشايخ الطريقة فقال له: أما يؤلمك هذا الضرب الشديد؟
فقال: بلى، قال: لم لا تصيح؟ فقال: إن في هؤلاء القوم الذين وقفوا علي صديقا لي يعتقد في الشجاعة والجلادة وهو يرقبني بعينه، فأخشى إن ضجيت يذهب ماء وجهي عنده ويسوء ظنه بي، فأنا أصبر على شدة الضرب وأحتمله لأجل ذلك. قال الشاعر:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه
ويحمد منه الصبر مما يصيبه
فمن قل فيما يلتقيه اصطباره
لقد قل فيما يرتجيه نصيبه

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.