العراق… حذارِ الحريق الكبير

أحمد عبد العزيز الجارالله

لا شك أن تجنيب المناطق النفطية في كركوك الحرب، خطوة جيدة للتخفيف من حدة الصراع الناتج عن استفتاء انفصال كردستان، لكن ذلك ليس كافيا إذا كان العراقيون يسعون الى عدم الوقوع في فخ حرب اهلية جديدة، اذ يكفيهم ما مرت به بلادهم من حروب ومغامرات منذ العام 1958، تكبدوا فيها ملايين القتلى والجرحى والمشردين، إضافة الى مئات مليارات الدولارات التي كان من الممكن أن تجعل العراق يابان العرب، ولذلك فإن الطريق الصحيح إلى الخروج من هذه الأزمة هو المفاوضات بين بغداد واربيل لان بغير هذا سيغرق العراق مجددا ببحر من الدماء والمزيد من الدمار.
طوال العقود الستة الماضية لم تشهد بلاد الرافدين أي استقرار، أكان على الصعيد الداخلي حيث الانقلابات والسحل والنفي والقتل، أو خارجيا في علاقات متوترة مع الجيران، العرب وغير العرب، التي تسببت أحيانا بحروب مريرة، اكثرها سوءا الحرب العراقية- الايرانية وكلفت 600 مليار دولار وأربعة ملايين بين قتيل وجريح ومعاق، وبعدها غزو قوات صدام حسين الكويت، وقد أدت تلك الجريمة إلى هدم أسس التضامن العربي، ودفعت الإقليم الى اتون الحروب المتتالية بسبب المغامرات العبثية للنظام السابق، الذي اشعل حرب الشمال الأولى مع الاكراد ما أدى إلى الانفصال الجزئي في العام 1975، ومهد بعد العام 2003 للخطوة الأولى في تنفيذ المخطط الاميركي – الاسرائيلي المنسجم تماما مع الأهداف الايرانية لتقسيم العراق عبر الحكم الذاتي الكردي الذي استكمل في الاستفتاء على الانفصال.
بين عامي 1920 و1958 كانت ثمة فرصة حقيقية، في ظل الحكم الملكي لوجود دولة عابرة للطوائف والعرقيات، لكن سقوط العراق في فخ الثورات والانقلابات أجهض ذلك، وأيضا كان من المتوقع أن لا يقع العراقيون في الفخ ذاته بعد العام 2003، لكن للاسف انسياق جماعة سياسية عراقية خلف الشعارات الطائفية الايرانية أدى الى الحرب الأهلية الحالية، في الوقت الذي كانت فيه طهران تعمل مع تل أبيب بطريقة غير مباشرة على تشجيع الحركة الانفصالية في الشمال.
اليوم أيا كانت نتائج الاستفتاء، والتطورات التي تبعتها، بات من الضروري البناء على الخطوة الايجابية التي ادت إلى تحييد مرافق انتاج النفط في كركوك والجلوس إلى طاولة مفاوضات درءا لتقسيم العراق، لأن نشوة الانفصال الكردية سرعان ما ستزول حين يصبح ذلك أمرا واقعا تفرضه إيران في الجنوب والوسط، وبالتالي ستتحول أرض العراق جحيما جديدا من الموت والدمار والقتل، وسيؤثر ذلك لاشك على الدول المجاورة.
لا أحد في العالم العربي يريد تقسيم العراق، لكن المساعي العربية لمنع التقسيم لن تؤدي إلى نتيجة اذا لم يدرك العراقيون أنفسهم ان الخروج من نفق الاحتراب الداخلي أو الحروب مع دول الجوار المستمرة منذ ستة عقود، أمر أساسي لا مفر منه وأنه السبيل الوحيد للحفاظ على وحدة البلاد بعيدا عن التشرذم الطائفي والمذهبي أو العرقي الذي يطرق الأبواب.