العراق يعود إلى عروبته

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

حين زعم أحد قادة نظام الملالي، قبل نحو عامين، أن إيران تحكم أربع عواصم عربية، كان من الممكن للمرء أن يتوهم صحة ذلك، لكن ما جرى في الانتخابات العراقية دحض التخيلات الإيرانية، بل وضع نظام الملالي على محك المواجهة مع من ادعى، سابقاً، أن تدخلاته في المنطقة للدفاع عنهم، أي الشيعة العرب، الذين أخذهم رهينة مشروعه عبر أحصنة طروادة لبنانية وعراقية ويمنية وبحرينية وسعودية وكويتية، وهي ما يسمى “أحزاب الله” التي نشرها في عدد من الدول العربية.
اليوم، كشف العراقيون عن موقفهم من الفرس، وأثبتوا رفضهم لتدخلهم في شؤونهم الداخلية، وأنهم عرب الهوية والانتماء، شيعة كانوا أو سنة، ولو كانت نسبة الإقبال على الانتخابات أكبر مما سجلت، لكانت لوائح بيادق طهران قد سقطت سقوطاً مدوياً.
التفويض الذي منحه الناخبون العراقيون إلى السيد مقتدى الصدر، ورئيس الوزراء حيدر العبادي، ليس مجرد تعزيز حضور كتلتيهما في البرلمان، إنما هو في جانب منه استفتاء على إقصاء المقربين من إيران عن المشهد السياسي، وإعادة العراق إلى حاضنته العربية، خصوصا أن الرابح الأكبر في هذه الانتخابات، أي الصدر، ما كان ليحصل على تلك النسبة من النواب لو لم يجاهر بعروبته وموقفه المعارض بشدة للممارسات الإيرانية في بلاده، كذلك حيدر العبادي الذي اختار العمل على تحجيم الانتشار الميليشياوي الطائفي، والحد من التغلغل الفارسي في بلاده.
المطلوب اليوم من العبادي والصدر العمل سوياً على إنقاذ العراق كي يخرج من نفق التخبط، وألا يخضعا للابتزاز الطائفي والمذهبي القائم على التخويف من الشريك الآخر في الوطن، فالعراقيون تاريخياً، شيعة وسنة، كانوا على قلب رجل واحد، ولم يكن عندهم أي مكان للأصوات الطائفية، غير أن سلسلة الخطايا التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 2003 حتى العام 2011 أدت إلى هذا الشرخ الممكن إصلاحه، بل محوه.
هذا العراق الذي حارب “داعش” هو ذاته، حتى لو اختلفت الطبيعة السياسية للنظام، من حارب إيران ثماني سنوات حين أراد الخميني جعل البصرة والنجف وكربلاء ضاحية جنوبية جديدة تتحكم عبرها طهران ببغداد وعواصم الإقليم، وكما وقف الشيعة والسنة يومذاك بوجه مخطط الخميني، وقفوا اليوم بوجه”داعش” الذي هو صنيعة إيرانية من الألف إلى الياء، ويتحرك في الجبهات التي يسعى نظام الملالي إلى إشغال خصومه فيها.
في هذا العراق حصحص الحق وأعلن شعبه مشاعره الحقيقية، العربية، وتوقه للعودة لجيرانه بعيداً عن الزرع الشيطاني الأميركي الإيراني الذي أنبت شوكاً بينه وبين أولئك الجيران الذين يرون فيه عمقاً ستراتيجياً ورديفاً قومياً، ولم ينظروا إليه، حتى في أحلك الظروف، على أنه فارسي الهوى والانتماء، بل شيعته وسنته، عرب أقحاح.
في نتائج الانتخابات العراقية، وقبلها مثيلتها اللبنانية، إشارات واضحة للخيارات الشعبية التي على العرب أن يستثمروا فيها، كي يدحضوا مزاعم الهيمنة الإيرانية على العواصم العربية، خصوصا بعد أن بدأت تتهاوى أراجيف انتصار عصابتهم في اليمن، وتراجع فلولهم في سورية، والصفعات المتتالية في العراق ولبنان.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

14 + 10 =