العرب والحرائق الدولية

0 8

علاء ثابت

إذا شب حريق في البناية المجاورة لك فإن أول ما تفعله هو تأمين مسكنك، تغلق مفاتيح الكهرباء وصنبور الغاز، وتتأكد من عدم وجود مواد سريعة الإشتعال، وتوعي أفراد أسرتك بالمخاطر المحتملة، قبل أن تشرع في مساعدة الجار بقدر الإمكان على إطفاء الحريق.
هذا ما على البلدان العربية أن تفعله أيضا، ترتيب البيت الداخلي وتأمينه، وألا نندفع إلى الحرائق الكثيرة المشتعلة في العالم أو الوشيكة الإشتعال، فنحن نمر بمرحلة هي الأصعب في العالم، فكلما وليت وجهك شرقا أو غربا ستجد حرائق مشتعلة أو أزمات ساخنة، من الأزمة الكورية شرقا وحتى أميركا الجنوبية، أما محيط المنطقة العربية وداخلها فقد أصبحت مركزا للحرائق والحروب والأزمات، حتى أننا بتنا نتصدر نشرات الأخبار في العالم، انفجارات ومظاهرات وحروب وشجارات فوق ما يمكننا احتماله، وقد اضحت معتادة إلى درجة أنها تكاد تصبح من العادات والتقاليد، وسيكون الخبر الأكثر جاذبية هو عدم حدوث تفجير أو أزمة.
لماذا أصبحت منطقتنا العربية مركز الزلازل الاقتصادية والعسكرية والسياسية؟
يمكن أن نجد إجابات مختلفة، فالبعض قد يرى أن التفكك العربي هو السبب الرئيسي، وأن المشكلات بين العرب تفوق ما بينهم والآخرين، وأن أزمات الأشقاء تصبح أكثر ضراوة من المشكلات مع الغرباء.
هذا قد يصلح كتفسير للكثير من أزماتنا، لكن لماذا أصبحنا كذلك؟ هل هو عيب تاريخي أم مشكلة في الجينات أو أنها مؤامرة خارجية؟
تفسيرات كثيرة بعضها قد يكون له ما يبرره، والآخر يمكن أن يقال على سبيل السخرية أو اليأس من وجود تفسير علمي لما يحدث بيننا، لكن التفسير الملفت هو أننا أصبحنا الأرض المنخفضة التي يسهل أن تصب فيها سيول المشكلات المقبلة من الشرق أو الغرب، وإذا تأملنا معظمها نجد أننا من يستدعيها، فقد كنت أشاهد نهائي كأس العالم بين فرنسا وكرواتيا مع مجموعة من الأصدقاء، وهي مباراة بين فريقين أجنبيين، لا نكاد نعرف اسم أي لاعب من الفريقين، لكن المدهش أن مجموعة الأصدقاء انقسمت، وصار قسم منهم يشجع كرواتيا والقسم الآخر يشجع فرنسا، والأكثر ادهاشا أن وصلت بهم الحماسة إلى درجة الخلاف الشديد حول احتساب ضربة جزاء لفرنسا، فمنهم من اتهم حكم المباراة بالإنحياز، ومنهم من أثنى على يقظته وصحة قراره، حتى تحولت الجلسة التي كنا نريد الاستمتاع فيها بالمباراة من دون اهتمام بمن يفوز إلى اشتباك لفظي بين الأصدقاء، وكأن بلده طرفا في المباراة، أو أنه قريب لأحد اللاعبين الأجانب، ومع أن المباراة انتهت بتصافح اللاعبين، وهنأت رئيسة كرواتيا الرئيس الفرنسي بحرارة، ولم تحدث أي مشكلات بين المشجعين في مدرجات ملعب المباراة إلا أن أصدقائي واصلوا خلافهم الشديد إلى حد الغضب، الذي كاد يتحول خصومة.
هذا المشهد يكشف عن جانب مهم في مشكلاتنا، وهو أننا ننفعل بسرعة، ونترك العنان لمشاعر الانحياز تتغلب على عقولنا، ونتقمص أدوار لا تخصنا، ونعيشها وكأنها الحقيقة، وهو ما يجعلنا ندمن مشاهدة حلقات المصارعة الحرة، وهي حلقات مصطنعة تسعى لاجتذاب جمهور المراهقين، ونتقمص فيها دور أحد المصارعين، ونشعر بالرضا والفخر إذا انتصر، أو بالحزن والخيبة إذا انهزم، حتى لو كنا ندرك أنها حلقات مصطنعة ومجرد تمثيلية لها مخرجها وتدرب على حركاتها المصارعون، وقد يبلغ الحزن بمن انهزم مصارعه إلى أن يتعكر مزاجه، ولا ينجز عمله أو يسيء معاملة أسرته، بينما المصارعون يحتفلون بنجاحهم في اجتذاب الجمهور والإعلانات.
ما يحدث في الرياضة يكاد يتكرر في ما هو أخطر وهو السياسة الدولية، فهناك مشكلات كثيرة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وليس من مصلحتنا أن نكون طرفا فيها، وأن نكتفي بمتابعتها وتحليلها والإستفادة من دروسها، ونتعلم من ساسة العالم كيف يديرون أزماتهم، لعل وعسى أن نستفيد منها في حل ولو القليل من أزماتنا، وأن نحافظ على مسافة تمنعنا من الإنزلاق في أزمات كبيرة تفوق طاقتنا وقدراتنا المحدودة، خصوصا أننا غارقون في مشكلاتنا وأزماتنا الخاصة، ولسنا في حاجة إلى المزيد لاستدراج أزمات الغير نحونا، بل أن نحاول قدر الإمكان أن نبعدها عن ساحتنا، فعندما كانت تجري الحملة الانتخابية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب انقسمنا بين الفريقين، وبلغت بنا الحماسة حدا يفوق الوصف، فمن يرى أن هيلاري كلينتون جديرة بالفوز، ومن يراها استمرار لسياسة أوباما الخاطئة، ومن يتحمس لترامب وكأنه منقذ العالم ومن يراه متطرفا ومعاديا للمسلمين، ولكن دعونا نرى كيف تعاملت إسرائيل مع الإنتخابات الأميركية؟
لقد كان كل تركيزها أن تحصل على مكاسب في أي حال من الأحوال، دون أن تتورط في إلقاء كل أوراقها على هذا المرشح أو ذاك، رغم العلاقة الوطيدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وانعكاس نتيجة الانتخابات عليها بشكل مباشر، لكنها تعرف كيف تركز على مصالحها وتخرج فائزة، ولا يهمها من يدخل البيت الأبيض، ودائما ما تكسب سواء نجح مرشح الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، أما نحن فنظل نتابع الإنتخابات بقلوب متعلقة بهذا الطرف أو ذاك دون أن نرتب أنفسنا لنحقق مصالحنا الخاصة، وأن نرتب بيتنا من الداخل، ونحصنه ضد الحرائق المشتعلة في كل مكان، وأن نزيد من الاحتياطيات الضرورية إذا امتد أمد الحرائق أو اتسعت، وأن نسعى إلى إطفائها قبل أن تمتد إلينا، وأن نتبع سياسة النأي بالنفس عن المشكلات البعيدة أو التي لا نستطيع أن نصبح جزءا منها، حتى لا نتحول إلى وقود تأكله المعارك بين القوى الكبرى، وبخاصة أننا أشبه بالأغصان اليابسة والمتفرقة التي يسهل أن تبتلعها النيران.
هناك عرب يحلمون بأن روسيا ستحل لهم مشكلاتهم وتحارب إسرائيل نيابة عنهم، وهناك من يحلمون بأن الولايات المتحدة ستحميهم وتحارب إيران نيابة عنهم، لكن لا روسيا ستحارب إسرائيل ولا الولايات المتحدة ستحارب إيران، ولن يحك جلدك مثل ظفرك، كفى أحلاما، ولندخر جهودنا في تنظيف بيوتنا من الداخل، وأن نتجنب قدر الإمكان شظايا الحرائق القريبة منا، وأن ننأى بأنفسنا عما لا طاقة لنا به أو لا شأن ولا مصلحة لنا فيه.

رئيس تحريرصحيفة “الاهرام” المصرية

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.