العرب وغياب مشاريع الحلول

0

شربل بركات

شاهدنا قبل أيام عدة على شاشة فضائية “ام تي في” اللبنانية من ضمن برنامج “بيروت اليوم” مقابلة مع الصحافي المصري المعروف عماد أديب، وقد عرض أمور الشرق الأوسط وتوجهات الحلول، حيث ركز على وجود مشاريع إقليمية ثلاثة: إيرانية وتركية وإسرائيلية، وذلك في غياب المشروع العربي، وبالتالي مصالح “العرب” أو ما تبقى من دولهم.
في حديثه ركز الصحافي، الذي يتمتع بنظرة شاملة ودقة في متابعة الأمور، على أن إيران الخمينية سوف تتغير لتدخل عصر الحلول، وذلك من ضمن النظرة الواقعية التي ستفرض ذلك بدل الانتحار، وأن تركيا أردوغان سوف تكون أيضا شريكا في توازن القوى الجديد لتضمن من خلال أحلام الأمبراطورية العثمانية ضبط التطرف السني، بينما تبقى إسرائيل وفق رأيه القوة الثالثة التي تسيّر أمور الشرق الأوسط الإقليمية.
هذا التحليل الذي يستند إلى متابعة دقيقة نوعا ما لمجريات الأمور، وما تؤول إليه التطورات، مقبول ومعقول، لكن ما لفتنا أكثر هو حديثه عن ما سمي “صفقة العصر” وبأنها لا بد أن تكون مرفوضة مصريا كون مصر يجب أن تتنازل فيها عن جزء من سيناء للفلسطينيين لكي تنشأ “غزة الكبرى” التي ستستوعب الكثير من الفلسطينيين الذين سوف يتمتعون بالرفاه بسبب الميناء العالمي (مثل روتردام وسينغافور) لتصبح مدخل التجارة الشرق أوسطية (باتجاه السعورية والعراق)، ولو أن المشروع يجعل إسرائيل تتنازل عن أراض في النقب لصالح مصر يمكن أن توازي ما تتخلى عنه للفلسطينيين.
لفتني رفض عماد أديب، الواقعي جدا لهكذا مشروع، لأنه برأيه قد رسم في إحدى جامعات تل أبيب، ما حثني على الكتابة، لأن العرب عادة ما يرفضون الحلول التي تطرح عليهم لكي يستجدوا أقل منها لاحقا، والأمثلة كثيرة، من مشروع الأمم المتحدة للتقسيم في 1947 الذي رفض قطعيا من قبل العرب يومها، وهم يستجدون أقل منه حاليا، إلى كل مشاريع السلم؛ من طرح العاهل المغربي إلى الرئيس بورقيبة وغيرهما من دون أن ننسى ما قبله عرفات وعاد عنه تحت ضغط “الشارع” الفلسطيني.
نعود إلى موقف مصر من “الصفقة” وفقا لعماد أديب، فالمشروع الذي وزع على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي لكي تطلع عليه أكثرية الناس بشكل غير رسمي، يعطي مصر السيطرة الكاملة على الطرق البرية من غزة إلى الأردن، وكذلك حقوق الجمارك على هذه المعابر، من دون أن يشير إلى أن ذلك لتعويض مصر عن رسوم العبور في قناة السويس التي سوف تتأثر بالطبع عندما تفتح طرق برية توفر الدوران حول باب المندب ومضيق هرمز، وبإضافة خطوط سكك حديد وأنابيب نفط، وما إلى هنالك من رسوم.
عندما قرأت عن هذا المشروع لم أصدق لأنه يعطي آمالا كبيرة لشرق أوسط سوف يكون محوره سيناء القاحلة، التي ستصبح منطقة عامرة جدا ليس في الجانب الفلسطيني فقط، بل خصوصا في الجانب المصري، واعتقدت بأنه قد نشر لكي يتم رفضه، فالعرب يتمتعون بحساسية كبرى تجاه كل خير يأتيهم من الغير، فهم لم يفهموا أهمية قناة السويس يوم فتحت، ولم يروا فيها سوى مصالح الأوروبيين، وقد بكوا على أطلال فلسطين من دون أن يقدموا اي طرح ايجابي خلال سبعين سنة.
ويوم قدم السادات طرحا منطقيا، أعاد لمصر كامل سيناء وأشركها في حل الموضوع الفلسطيني ليعطيها دورا أساسيا في إدارة الشرق الأوسط، تراجعوا ورفضوا السادات حتى القتل، وبذلك جمّدوا كل مفاعيل الاتفاق المصري- الإسرائيلي، فطارت قيادة ساحة الشرق الأوسط من أيدي مصر وتأخر قطار السلام الشامل أربعين سنة.
ولذا فالقوى التي تتحكم بالحلول في الشرق الأوسط اليوم، برأي أديب، لا تشمل مصر ولو أنها لا تستبعدها.
أما إذا أردنا الغوص أكثر في المشروع المعروض فلماذا تتخلى إسرائيل عن ميناء أشدود الذي يعتبر جاهزا لتأدية دور ميناء غزة الجديدة المفترض، وكل شبكة الطرق والسكك الحديد جاهزة من هناك باتجاه الأردن عبر إيلات أو حتى عبر الضفة الغربية، أو من ميناء حيفا حيث توجد منطقة حرة تابعة للأردن، وتصلها بالأردن شبكة طرق مهمة أقصر بكثير من المطلوب إنشاءها (سيناء – العقبة).
مشكلة العرب الكبرى أنهم يقعون على مفترق طرق التجارة العالمية في عالم بدأ يتوحد ويتعاون، وهم لا يزالون يعيشون أحلام الفتوحات والنصر التي لا تطعم خبزا، ولا تأتي بالخير لأحد، وقد سبقهم الكثيرون ممن اعتبروا متأخرين، وها هي مراكز التجمعات الكبرى في الهند والصين وجنوب شرق آسيا تنفتح صوب أوروبا وأميركا وتتعاون مع الكل في سبيل أبنائها، وتشكل دول الخليج، الكويت والإمارات وقطر وغيرها جزءا مهما من تجارة الانفتاح العالمية، وتحاول تأمين مركزا لها على “طريق الحرير الجديد” كما يسمونه.
فلماذا لا تتلقف مصر هذه “الصفقة” أو مثيلاتها (التأجير مثلا كما يحدث بين الكويت والصين أو كندا والصين) وتسهم مع الفلسطينيين في بلورتها والدفع باتجاه تحقيقها، حتى ولو كانت غير جدية، علّ بعض القوى تساندهم أو تتناقش معهم في بلورة تحقيق أحلام التطور والتقدم والتعاون، لا سيما مع جيرانهم، والتخلص نهائيا من أعراض مرض الرفض الملاحق لهم.
عماد أديب وغيره من الصحافيين يعرضون المرض، وهو استمرار غياب الطرح العربي لأي حلول، ويوم تعرض عليهم أفكار للحلول تراهم، ككل العرب، يرفضون كردة فعل أولى، ومن دون التفكير الجدي بمصلحة شعوبهم، ولا هم يعرضون في المقابل مشاريع منطقية للحلول.
فكيف سيأخذهم الغير على محمل الجد، وكيف سيشاركون باقتراح أو مناقشة أي حل؟
وحين يفرض الحل بواسطة الغير يقفون، ككل مرة، معترضين متباكين على الأطلال مطالبين اقله بما كان قد عرض ذات مرة.
برأيي المتواضع على السيد عماد أديب وغيره من قادة الرأي في بلاد العرب أن ينتقلوا من مهمة مسايرة الشارع بتفسير ما يرفضه على أنه الصح، إلى مواجهة الناس بالحقائق التي تسهم في تقدمهم وتطور مجتمعاتهم، لكي نصل إلى شرق أوسط لا تقوده إيران ولا تركيا، بل أبناؤه مجتمعين ومتضامنين على الخير ومتعاونين مع تركيا وإيران وإسرائيل…لما لا؟ وغيرها من الجيران لتوزيع الرفاه وتقاسم الثروة بإشراف الدول الكبرى التي لها مصالح تريد أن تحميها لكي يكون لنا رأي يضمن مصالحنا مع الكل، وتحت مظلة القانون الدولي ومن دون عقد التاريخ التي لا تزال تتحكم فينا وتشدنا إلى التخلف.
ضابط لبناني متقاعد، كاتب ومحلل سياسي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة عشر − 13 =